- بلادى توداى
- 4:20 م
- شريعة ومنهاج الإسلام
- لا توجد تعليقات
بقلم الدكتور: - مصطفى شلبي
فيامَن ولاكم الله حكاماً لأمة الإسلام والمسلمين, إن الله سائلكم عما استرعاكم أحفظتم أم ضيعتم ؟
(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ) في هذا المكان أقصى ما وصل إليه غرباً, وجد قوماً من الناس فأعطاه الله حرية رسم السياسة والحكم بما يريد اختباراً من الله لعبده الصالح ولكي يبين الله لنا مدى احتياجناللحاكم الصالح العارف لربه الذي يخشاه سبحانه, ماذا يكون تصرفه وكيف يكون حكمه ؟ فكان النجاح الباهر في الاختبار.
ما أحوجنا لهذا النموذج من الحكام الصالحين الذين يُصلح الله بهم العباد والبلاد. ما أحوجنا لهذا الدستور الذي وضعه هذا الحاكم الصالح العادل (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً* قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً* وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً )
دستور الصلاح والإصلاح ما أخذتْ به أمة إلا أصلح الله شأنها وأعزها, الظالم الفاسد المرتشي القاتل الزاني المختلس المزور الكذاب السارق لأراضي الدولة المستورد للقمح الفاسد والأطعمة الملوثة والغير صالحة للاستهلاك الآدمي والمستوردون للمبيدات المسرطنة وأكياس الدم الملوثة المزورون لإرادة الأمة المستغلين لمناصبهم سواء منصب رقابي أو تشريعي أو تنفيذي لتحقيق مكاسب شخصية كل هؤلاء ومَن شابهم ومَن فعل فعلهم لهم العذاب, من فضحهم أمام الرأي العام وتبيان شناعة فعلهم وخطورته على حاضر الأمة ومستقبلها, أما الصالحون المصلحون أما العارفون لربهم قولاً وعملاً (آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى) هم المقربون هم الذين يُقدمون على شاشات الفضائيات قدوة للشباب هم المقربون من الحاكم هم خاصته وأعوانه فيحرص على لقائهم واستنصاحهم ( وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ) هم الذين يبش الحاكم في وجوههم يذكرهم بالخير يحسن لهم القول.
أما أن نسير عكس هذا الدستور القرآني الرباني, فالمقربون هم الفاسدون المفسِدون الذين يعيثون في الأرض فساداً نتستر على فسادهم وإفسادهم هم الذين تفتح لهم القنوات الفضائية أبوابها يقدمون للشباب قدوة لهم. يُعينون في المناصب وخاصة الحساسة منها. هم الذين يحسن الحاكم لهم القول ويفرد لهم اللقاءات. هم المقربون إليه. وفي المقابل الصالحون المصلحون تُشوّه صورتهم, يُعتقلون ويُسجنون ظلماً وعدواناً .!! تُعقد لهم المحاكمات العسكرية مخالفة للدستور و تُصادر أموالهم !! يُستبعدون من الوظائف في الجامعات والاتحادات الطلابية وغيرها !! يُحولون لوظائف إدارية !! إن كان الأمر كذلك ويصرون على استمرارية ذلك فلن تجني الأمة إلا الدمار والانهيار أما الإصلاح والتغيير فطريقه معروفة وهو الالتزام بهذا الدستور القرآني الرباني الذي سار عليه ذو القرنين بوضع اللوائح والقوانين التي تردع الظالمين والفاسدين المفسدين.
( حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً* كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً )
وهكذا دوماً حال الحاكم العادل الرباني يجهد لأمته التي ولاه الله عليهم يسير شرقاً وغرباً ينشر العدل ويعرِّف الناس بربهم من خلال حكمه العادل وأخلاقه وسلوكياته الربانية وهو يتحرك ويعمل وكله يقين في (وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ) يقينه أن الله مطلع عليه ناظر إليه يعلم حركاته وسكناته فهو شديد الحرص على إرضاء ربه وجده لا سواه من قوى الشر والظلم والعدوان.
( ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً* كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً* ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً* قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً* قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً* آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً* فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً* ) ثم أخذ بالأسباب حتى وصل إلى مكان بين جبلين ووجد قوماً لا يكادون يفقهون قولاً وكما قال القرطبي: فلا هم يفقهون من غيرهم ولا يفقهون غيرهم فمن شدة أثر الظلم والسلب والنهب والقتل وسبي النساء وانتهاك الأعراض الواقع عليهم من يأجوج ومأجوج لا يدرون ما يقولون ولا يدرون ما يسمعون ومع ذلك استطاعوا أن يعرضوا مظلمتهم على الحاكم الصالح ذي القرنين بل إنهم استطاعوا وضع الحلول لهذه المظلمة ببناء السد ( قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً ) فماذا يفعل الحاكم الصالح الذي آتاه الله من كل شيء سبباً فهو ليس في حاجة لمساعدتهم لتحقيق مطلبهم ببناء السد ورفع الظلم عنهم ولكنه يؤصِّل ويضع مبادئ للإصلاح تكفَّل الله بحفظها وتوصيلها للأمم والأفراد إلى أن تقوم الساعة ولعظمتها جعلها الله قرآناً يُتلى نتعبد بتلاوته.
الحاكم الصالح يبين لنا يامَن تُعانون من الفساد والمفسدين يامَن تريدون أن تصلحوا من شأنكم وشأن أوطانكم, لا إصلاح إلا بأيديكم, لا بد أن تتحركوا جميعاً وتحددوا الأدوار وليؤد كل منكم دوره, ولتؤدوا ضريبة الإصلاح والتغيير حينئذ يبارك الله جهودكم ويصلح شأنكم, أما مَن يعانون من الفساد ويتجرعون آلامه وينتظرون مَن يصلح حالهم ويحل مشاكلهم وليس عندهم استعداد للحركة والعطاء والمشاركة (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً ) هؤلاء سيظلون يعانون من الفساد والظلم هم وذريتهم ما لم يتداركهم الله برحمته فيغيروا من أنفسهم فيغير الله حالهم.
أعجبنى تصريح لأحد الحاصلين على حكم استرد به حقه في المجال الرياضي حينما سُئل ما السبب وراء رفعه لهذه القضية؟ فقال: رفعتها لأني أعتقد أنى قد ظُلمت وضاع حقي فسلكتُ الطريق القانوني والقضائي للحصول على حقي وها أنا في قمة السعادة للحصول على حقي ثم أردف قائلاً: لو أن كل مصري ومصرية له حق فسعى وجاهد ليحصل على حقه لكانت مصر أفضل دولة في العالم وصدق القول: فبالإيجابية تحل مشكلاتنا ويهاجر الفساد من أرضنا .
فكانت المشاركة والإيجابية منهج الحاكم الصالح ( فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ) ( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ) ( قَالَ انفُخُوا ) ( قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ).
لقد بنى السد بأيديهم وبجهدهم وبخامات من أرضهم ووطنهم لم يستورد ذو القرنين لهم حديداً ولا نحاساً من خارج أرضهم ولا طاقات بشرية من غيرهم فماذا حدث وما الذى استجد عليهم؟ إنها القيادة الراشدة العادلة التي تعيش مشكلات الأمة وتخلص في التفكير ووضع الحلول لهذه المشكلات وتشرك ذوي الاختصاص في التفكير والتخطيط وتشرك الجميع في التنفيذ فما أحوج الأمة لهذه القيادة الراشدة ولن تأتي هذه القيادة إلا من خلال انتخابات حرة نزيهة تخرج الأمة جميعها لاختيارها والوقوف خلفها لمساندتها .
لقد رأينا في التاريخ الإسلامي نماذج قيادات ومسئولين تربوا على هذه الآيات والنماذج القرآنية يحملون همَّ الناس وهمَّ مشكلاتهم ووضع الحلول لها وكذلك توفير احتياجات الناس الأساسية من أمثال عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فقد قال مرةً لأحد الولاة: "ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب ؟ فقال هذا الوالي وفق السنة والشريعة: أقطع يده، قال عمر: إذاً فإن جاءني من رعيتك مَن هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك، قال له: يا هذا إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسُدَّ جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خُلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها في الطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية " ما أعظمها من كلمات وما أحوجنا لهذه السطور القليلة التي تُكتب بماء الذهب التي تحدد مهمة الحاكم في سد جوعة الناس وتحقيق الاكتفاء الذاتي في المأكل والمشرب (لنسُدَّ جوعتهم ) ثم توفير الأمن لهم على أموالهم وأنفسهم وعوراتهم (ونستر عورتهم ) ثم محاربة البطالة بتوفير فرص العمل (ونوفِّر لهم حرفتهم ) .
ثم كانت جودة العمل والنتيجة وتحقيق المستهدف نتيجة المشاركة في وضع الحلول وتنفيذها من الحاكم والمحكومين فتمَّ الإصلاح بطريقة استحال على الفاسدين والظالمين العودة من جديد وعمَّ الصلاح والإصلاح أحوال البلاد والعباد (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً*).
تبدَّل الحال فالقوم الذين كانوا لا يأمنون على أنفسهم ولا أموالهم ولا أرضهم ولا أبنائهم ولا زوجاتهم فلا يستطيعون أن يعمروا ولا يزرعوا ولا يصنعوا أصبحوا آمنين على كل هذا فهاهم نراهم الآن يسيرون في شوارعهم آمنين ينامون آمنين, يزرعون, يصنعون, يخططون للحاضر والمستقبل, وأراهم الآن يقفون وجلين معترفين بالفضل أمام صاحب الفضل عليهم لذي القرنين, يستمعون إلى خطبة النصر فماذا قال؟ فلنستمع معهم إلى خطبته خاشعين (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً ) هكذا يكون منطق الحاكم والمسئول الصالح العادل يرجع الفضل لصاحب الفضل سبحانه وتعالى لم يرجع الفضل لنفسه لم يصبه الغرور, لم يتكبر ويتجبر على شعبه لأنه متذكر لوعد الله ولقائه سبحانه وتعالى, أين هذه النماذج الربانية من قيادات ومسئولين يدَّعون إنجازات وانتصارات وهمية يتخذونها ذريعة لاستذلال شعوبهم واستعبادهم؟ .







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق