- بلادى توداى
- 2:33 ص
- تحليلات هامة
- لا توجد تعليقات
الشيخ حامد العلي
لم تكن إشادة الأمريكيين وحلفائهم بانتخابات السودان الأخيرة من أجل سواد عيون السودان، حتى قال فيليب كراولي: (نحن راضون عن العملية الإنتخابية)، بل لم يكن ذلك إلاَّ لأنها الطريق الأقرب إلى ميلاد الكيان الصهيوني الجديد في جنوب السودان!!
ولقد استعمل الغرب -كعادته- أدواته الدولية التي يتلاعب بها كيفما يشاء، مثل (الجنائية الدولية) في قضية ملاحقة البشير للضغط والابتزاز والمساومة، كما استعمل كلّ ما يحمله السودان من تناقضات سياسية، وعرقية، وإثنية، وحزبية، وما يثقل كاهله من مشكلات، وكلّ ما يلزم للوصول إلى الاستفتاء الذي يعلن ميلاد الكيان الصهيوني الصليبي المسخ في جنوب السودان.
كما قد خطّط التحالف الصهيوغربي -في إطار خطّته الاستراتيجية التي يُطلق عليه (تحالف المحيط)، أي المناطق والدول المحيطة بالدول العربية- للوصول إلى هذا الهدف، خطط منذ مدة طويلة، حتى نجح أخيرًا بما يُسمى باتفاق نيفاشا 2005م، الذي أعطى الجنوب حق الانفصال.
وفي مؤتمر إيباك الماضي أعلن الصهاينة عزمهم توفير كلّ ما يحتاجه جنوب السودان في حال الانفصال إلى دعم سياسي، واقتصادي، وأمني للدولة الناشئة!! وبدوره أشاد أزيكيل بول ممثل الحركة الشعبية في جنوب السودان، أشاد بجهود الصهاينة لدعم الانفصال، بل قدَّم طلبًا يشتمل على جميع احتياجات الجنوب إذا حقق الانفصال، من مشاريع الريِّ إلى بناء مؤسسات الدولة المدنية، مرورًا بالمؤسسات الأمنية.
أما أمريكا فقد أعطت الحركة الشعبية قنصلية ووضعًا دبلوماسيًّا متميزًا، مثل تايوان، وتيمور الشرقية، والتكاليف تتحمّلها أمريكا!!
وإنه -وللأسف الشديد- يتحرك النشاط الصهيوني المعادي للإسلام، في تلك المنطقة المهمَّة في العالم بعيدًا عن الأنظار، وفي عتمة شديدة، ليس سببها قطعًا كونها إفريقيا السوداء، بل لعدم الاهتمام الكافي بها، رغم كون الصراع الدولي القادم سيكون في جزء كبير -إن لم يكن الأكبر- فيها وعليها.
وحقًّا ليس من المبالغة القول: إنَّ تسعة أعشار كنوز العالم هي في إفريقيا، وأنه لولا النهب الغربي لتلك الكنوز في القرنين الماضيين، لما وصل الغرب إلى ما وصل إليه من تحوله إلى ثقل الاقتصاد العالمي، ثم تربعه على مركز التحكم في العالم.
ولهذا فلا عجب أن يقيم الكيان الصهيوني علاقات دبلوماسية مع 46 دولة إفريقية من مجموع دول القارة البالغ عددها 53 دولة، منها 11 دولة بتمثيل مقيم بدرجة سفير وسفارة، و33 بتمثيل غير مقيم، ودولة واحدة بتمثيل على مستوى مكتب رعاية مصالح، ودولة واحدة أيضًا بتمثيل على مستوى مكتب اتصال، علمًا بأن للصهاينة 72 سفارة، و13 قنصلية، و4 بعثات خاصة على مستوى العالم.
وهذا يعني أنَّ البعثات الدبلوماسية الصهيونية في إفريقيا بالمقارنة مع بعثاتها في العالم تشكل 48%، وهذا يعني أن نصف الحراك السياسي الصهيوني في العالم هو في إفريقيا.
إنه يعلم أهمية القارة الإفريقية، وما ستقدمه من مكاسب لم يكن يحلم بها، على جميع المستويات، وأهمّها الاقتصادية.
ومن أهمّ أهداف التحالف الصهيوغربي في شرق إفريقيا هو السيطرة على مياه النيل، واستغلالها لتحقيق مكاسب كبيرة جدًّا، من أهمّها محاصرة مصر بوضع اليد على منابع النيل.
وقد كان المراقبون يتعجّبون من الرحلات المكوكية لوزير الخارجية الصهيوني ليبرلمان إلى دول حوض النيل، حتى تفاجأ الجميع بالإعلان عن اتفاقية تقاسم مياه النيل، وبناء السدود على منابعه؛ مما جعل مصر تعترض بشدة على هذه الاتفاقية، التي سوف تضرها ضررًا بالغًا.
ثم تبين أنّ الصهاينة كانوا قد قدموا إلى بعض دول منبع النيل دراسات تشتمل على برامج متكاملة لبناء ثلاثة سدود، منذ أعوام مضت.
كما كشفت صحيفة من جنوب إفريقيا هي راندي ديلي ميل في يناير من هذا العام، أنَّ اجتماعات عقدت في الكيان الصهيوني بين أعضاء بالكونجرس الصهيوني ووزراء أثيوبيين، تم خلالها الاتفاق على إنشاء مشاريع مشتركة عند منابع نهر النيل، منها إقامة سدود كبيرة.
هذا ما تم الكشف عنه، ومالم ينشر أدهى وأمرّ، والخلاصة أن انفصال جنوب السودان وولادة دولة جديدة داعمة للكيان الصهيوني، بل كيان صهيوني ثان في دولة هي أحد أهم دول منبع النيل، يعني كارثة عظمى ستقع على الأمّة الإسلامية.
ولا ريب أنَّ أعظم أسباب هذه الكارثة، تفرق الأمة شذرَ مذر، وتخلي أنظمتها السياسية عن مشروعها الحضاري العالمي إلى الشئون الداخلية، ثم اختزال هذا الاهتمام بالحفاظ على الكرسي وتوريثه فحسب!
في حين يتحرّك التحالف الصهيوغربي في إطار عالمي ليطوّق الأمة، ثم يجعل هذا الحصار أحد وسائل التحكم في الأنظمة، وتوجيهها للإمعان في محاربة الإسلام، وتمزيق الحضارة الإسلامية.
وإذا ضربنا الحالة المصرية على هذا مثلاً، فهو أوضح الأمثلة، فقد فشل النظام المصري الحالي -رغم مركزية دور مصر وأثره المحوري على الأمّة بأسرها- على جميع المستويات الخارجية، كما فقد جميع الملفات، حتى إذا لم يبق له إلاّ (معبر رفح) لم يصنع به شيئًا سوى أن لفه على عنقه، فخنق به نفسه!!
فلما سُقط في يده، وفقد نفوذه الخارجي، وتقلص دوره، وقع في شرَكِ حصار يهدده حتى في شريان الحياة نفسه، وذلك بإقامة سدود على النيل، ولم يستفد شيئًا من تطبيعه مع الصهاينة سوى مزيد من المؤامرات الصهيونية على مصر.
وقد ذكرنا مرارًا أنّ تحالف الشرّ الصهيوغربي لا يقيم وزنًا للحدود الدولية، ولا معنى عنده لسيادة الدول، في سبيل تحقيق أهدافه التي على رأسها بقاؤه مهيمنًا على العالم، وإبقاء الإسلام ضعيفًا، إن لم تمكن إبادته.
وهو في الوقت الذي يعزز في أمتنا الشعارات الزائفة عن الوطنيات المصطنعة ليمعن في تمزيقنا، ينظر إلينا وهو يشنُّ الغارة على العالم الإسلامي على أننا أمة واحدة، يجب أن يبيد حضارتها من الخارج والداخل.
ونحن بهذه المناسبة التي كتبنا فيها عن خطر ولادة هذا الكيان الصهيوني في جنوب السودان، نعيد التذكير بما يقع على كاهل الجهاد الصومالي من مسئولية عظمى؛ للتصدّي للمخطَّط الصهيوغربي على الصومال خاصة، وعلى إفريقيا المسلمة عامة.
وإنه يجب على المشروع الجهادي الصومالي -كما ذكرنا سابقًا عند أوَّل تشكل المشروع الخدعة الإسلاأمريكي!- أن يضع نصب عينه أن يتحوّل إلى منطلق مشروع التصدِّي للعدو الصهيوغربي في إفريقيا كلّها، فإنه لا يقل خطورة عن غيره من مشاريع هذا المحور الشرير على أمتنا الإسلامية من جاكرتا، إلى أقصى حجر في المغرب العربي.
ولهذا يجب أن يكلّلوا جهود المصالحة التي تجري الآن على قدم وساق بين التيارات الجهادية بالنجاح، كما يجب أن ينتبه المشروع الجهادي في الصومال للأخطاء التي وقعت فيها مشاريع جهادية أخرى -بيّناها في محاضرة نقد المسيرة الجهادية- حتى لا تتكرَّر، كما يبني على إنجازاتها العظيمة التي رفعت رأس الأمة في أحلك زمانها.
كما نحمِّل الدعاة، والعلماء، والمفكرين الإسلاميين مسئوليتهم لمزيد من العناية والاهتمام بالقرن الإفريقي، وقضايا الأمة فيه؛ وذلك في إطار مشروع ثقافي أممي يزيف خطاب الخنوع، والذلّ الذي يُروَّج على ألسنة فقهاء التسوّل تحت شعار (الوسطية) الزائف، ويشجع ثقافة الجهاد والمقاومة والعزّة، ويستنهض الأمة لمواجهة الغارة التي يشنّها الأعداء على أمتنا.
والله المستعان، وحسبنا الله، عليه توكلنا، وعليه فليتوكل المتوكلون.
المصدر: موقع الشيخ حامد العلي.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق