- بلادى توداى
- 3:41 ص
- ركن الفتاوى
- لا توجد تعليقات
إذا كان إخواننا الفلسطينيون الذين شردوا وطردوا من أرضهم لا سبيل أمامهم للرجوع إلى أرض فلسطين وبخاصة مع إصرار الأنظمة على خذلانهم فلماذا لا يتنازلوا عن حقهم في العودة ويأخذوا تعويضا مقابل ذلك حتى لا يجتمع عليهم غرمان؟ وما حكم ذلك؟
يرد فضيلة الأستاذ الدكتور صلاح سلطان عضو المجامع الفقهية ومستشار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالبحرين
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
الحق أن بيع حق العودة إلى الأراضي الفلسطينية لليهود المغتصبين حرام قطعًا، ولا شك فيه للأدلة التالية :
الدليل الأول: أن العودة إلى الأراضي الفلسطينية ليس فقط حقًا بل هو واجب يُبذل لأجله النفس والمال ؛ لما ذكره الفقهاء: أنه إذا غزا ديار الإسلام الأعداء فأخذوا شبرًا واحدًا فقد وجب الجهاد بالنفس والمال على كل مسلم ومسلمة ، ويخرج الولد بغير إذن والديه، والمرأة بغير إذن زوجها(انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، مرجع سابق، ج7، ص80)، والمقطوع به أن اليهود اغتصبوا هذه الأرض المقدسة، ولا تجوز مساومتهم على شيء إلا الخروج من الأرض التي اغتصبوها عنوة وقتلوا مئات الآلاف من الرجال والشباب.
الدليل الثاني: لو افترض أن هذا حق فهو من حقوق الله تعالى التي لا حق لأحد في بيعه؛ لأنه متعلق بعلوّ كلمة الله تعالى في الأرض المقدسة، والإخراج من الديار فتنة في الدين أجاز فيه القرآن القتال في الأشهر الحرام والمسجد الحرام حيث يقول سبحانه: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا" [البقرة: 217]. ، فقرن الله تعالى الفتنة وهى أكبر من القتل بالإخراج من الديار، فكل ما يتعلق بالدين أو العرض هو حق لله تعالى، فالجسم ملك لله ولذا لا يجوز بيع الأعضاء من الجسم، والعرض حق لله تعالى ولا يجوز أخذ المال عنه، ولا تفرط المرأة في عرضها أو الرجل في عرضه والتراضي فيه باطل، فلما كان بيع الأرض يعنى سيادة كلمة الكفر على كلمة الله تعالى اعتبرت حقًا خالصًا لله تعالى لا حق لأحد في التصرف فيه إلا وفق أمره سبحانه، وقد دلت النصوص على أن من قتل دون عرضه أو ماله أو دينه فهو شهيد.( ورد بذلك أحاديث صحيحة متعددة بروايات مختلفة، انظرها: في رياض الصالحين للإمام النووي، ص(402-403).)
الدليل الثالث: قاعدة سد الذرائع تقتضي تحريم المباح إذا أفضى إلى حرام، فإذا كان الأصل هو جواز البيع والشراء مع غير المسلم، لكن إن جاء مغتصبًا للأرض وأخرج أهلها منها، وأعلن عليها الفسوق والعصيان لأوامر الله فالبيع هنا اقترنت به قرائن وأحداث تحيله قطعًا إلى الحرمة.
ومن شواهد ذلك أنه يحرم أن يباع العنب لمن يتخذه خمرًا، ويحرم بيع السلاح لقطاع الطرق والمقاتلين للمسلمين وعصابات السلب والنهب، ويحرم بيع الأرض لمن يعلم قطعًا أنها تشترى لتكون كازينو للقمار والخمور والرقص والعربدة، ويحرم تأجير سكن لمن يتخذه للدعارة، ويحرم طباعة منشورات وكتب فيها صدٌّ عن سبيل الله وإهانة للمقدسات.
وقد أفاض علماء المسلمين في تحقيق قاعدة سد الذرائع، أي بحرمة كل مباح أفضى إلى مفسدة أو حرام، منهم الإمام ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين [ج3، ص120-160]، والإمام القرافي في كتابه الفروق [ج3، ص266]، والشوكاني في إرشاد الفحول [ج2، ص51]، والشاطبي في الموافقات [ج2، ص360]، ومن المعاصرين د. وهبه الزحيلي في الوسيط [ص572]، والشيخ على حسب الله في مصادر التشريع [ص358]، والشيخ أبو زهرة في أصول الفقه [ص28]، والدكتور عبد الكريم زيدان [ص248]، ود. محمد البلتاجي في مناهج التشريع [ص858] وآخرون.
الدليل الرابع : أن بيع حق العودة أو واجب العودة هو زيادة تمكين لليهود، ونفيٌ للحق في المطالبة بالعودة أو الرجوع إلى الأرض المقدسة وهو محرم بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 141]. وإذا كان هذا حراماً فإنه يحرم ثمن كل شيء محرم، ومن الأدلة الصريحة في ذلك ما أورده الحميدي في مسنده والشوكاني في نيل الأوطار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُهْدِي لِلنَّبِيِّ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَأَهْدَاهَا إلَيْهِ عَامًا وَقَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : إنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَفَلَا أَبِيعُهَا ؟ فَقَالَ: إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا، قَالَ: أَفَلَا أُكَارِمُ بِهَا الْيَهُودَ ؟ قَالَ: إنَّ الَّذِي حَرَّمَهَا حَرَّمَ أَنْ يُكَارَمَ بِهَا الْيَهُودُ، قَالَ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهَا ؟ قَالَ: شِنَّهَا عَلَى الْبَطْحَاءِ.
والحديث يدل على أن الأعرابي الذي أراد أن يهدى للنبي خمراً قبل أن يعرف أنها حرمت، فلما علم بالتحريم قال: إذن الحل هو البيع لكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بقاعدة: أن الله إذا حرم شيئاً حرم بيعه وفى رواية حرم أكل ثمنه، فأراد أن يقدمها هدية لأحد اليهود لأنها عنده حلال، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال اكسرها على الحجر ولا تعطها لهم.
والحق أن بيع الخمر لليهودي خطره أقل بكثير لمن عنده أدنى فقه في الشريعة والسياسة من بيع الأرض يفعلون فيها ما يشاءون وتعلو سطوتهم على المسلمين أجمعين.
الدليل الخامس : أن أهم أركان وجود الدولة واستقرارها هي (الأرض) بالإضافة إلى الشعب والقانون والقيادة كما قرر فقهاء القانون الدولي، وإسرائيل تسعى في تكثيف الهجرات كي تضاعف من اليهود وتطرد أبناء الأرض لتختل المنظومة السكانية، ثم هي تحاول منذ جاء اليهود بعد وعد بلفور (عام 1917م) أن تتوسع في هذا المخطط الصهيوني الرهيب فهجرت ملايين الفلسطينيين واحتلت الأرض، ولما كان هذا عنصراً مؤرقاً لاستقرار الدولة كانت القضية الرخيصة المعروضة الآن هي بيع حق العودة، وإذا أردنا أن نتكلم بلغة الأرقام فإليك ما آل إليه الأمر بالنسبة إلى اختلال التوازن لإكراه المسلمين على سياسة فرض الأمر الواقع من هذه الأرقام ما يلي:
طرد من (531) قرية ومدينة فلسطينية (900 ألف لاجئ) (عام 1948م) فقط، وكانت إسرائيل لا تدير أكثر من (6%) من الأرض (عام 1948م)، والآن هي تدير (93%) من الأراضي المقدسة (فلسطين) والفلسطينيون جميعاً يديرون إدارة ناقصة (7%) فقط من بلادهم.
تملك السلطة الإسرائيلية بالقهر والاغتصاب والإغراء (18.300.000) دونم وليس للفلسطينيين الآن سوى (350.000) دونم، فإذا كان عدد الفلسطينيين أصحاب الأرض حوالي خمسة ملايين فلسطيني تصل أملاكهم في أرضهم إلى نصف مليون دونم بينما يملك اثنان مليون يهودي مغتصب أكثر من 18 مليون وثلاثمائة ألف دونم.
هذا هو النفي تماماً للغير وفرض السلطة والهيمنة، والآن يراد أن ُتسهل لأصحاب الأرض إقامة مستعارة في بلد آخر ويأخذون تعويضاً كي تبقى الأرض مرتعاً لفساد الصهاينة من اليهود، وهى مفاسد توجب حرمة بيع الأرض في الداخل أو حق العودة من الخارج، ونهيب بكل فلسطيني ألا تغريه الأموال على حساب القدس والأقصى ونثبت لهؤلاء الصهاينة أننا لا نبيع عرضنا ولا أموالنا ولا مقدساتنا.
ويتفرع عن هذه الفتوى ما يلي:
1- حق التعويض عن الطرد من الأرض جائز بل واجب؛ لأن هؤلاء الذين شردوا تضرروا فيجب لهم التعويض عن طردهم وتشريدهم، كما يجب عليهم العودة إلى الأرض والتمسك بهذا الحق.
2- لا يجوز أن يقال : (نحن لا نملك شيئاً وإذا عدنا أكرهنا على الخروج ونحن فعلياً ربما لا نرجع، فماذا لو أخذنا من أموال هؤلاء ؟ فهو أفضل من لا شيء، بل هذا فيه مصلحة لنا في أخذ المال، وضرر لهم في الوقت نفسه).
3- أقول: هذا لا يجوز شرعاً لأنك تعطى مشروعية للمغتصب، فمن اغتصب زوجتك أو أختك، كان واجباً عليه أن يخلى عنها ويعوض عن الضرر وظل واجباً عليك أن تقاوم هذا المغتصب لا أن تساومه بقولك: ابق الزوجة أو الأخت لديك وأعطني مالاً أخلى بينك وبينها أبد الدهر، فمن باع أرضه كمن باع عرضه في هذه المسألة سواء بسواء.
4- هذه الفتوى محددة باليهود الذين اغتصبوا فلسطين وطردوا أهلها منها أو الذين ظاهروهم وساندوهم مساندة لولاها ما حدثت هذه المظالم، بدليل أن رسول الله ﷺ لما غدرت يهود بنى قينقاع بكشف عورة امرأة مسلمة قهراً، قاتلهم وحدهم دون يهود بنى النضير وبنى قريظة وهم بجوارهم، ولما خططت -غدراً- يهود بنى النضير لقتل النبي ﷺ قاتلهم وحدهم دون بنى قريظة، ولم يقاتل بنى قريظة إلا بعد نقض العهد والميثاق والتحالف مع جيوش الكفار لاستئصال المسلمين تماماً من المدينة عاصمة الدولة الإسلامية آنئذ.
5- ولا يجوز أن يفوتنا في هذا أن الأيام دول، وأن الله وعد المؤمنين بالنصر والتمكين، وصرح سبحانه بأن اليهود سيخرجون من الأرض المحتلة على أيدي عباد له سبحانه وليسوا عبيداً للمال أو الشهوة أو السلطة، وهؤلاء فقط ستحرر بهم الأرض، وتعود كلمة الله أعلى على أرض القدس، أرض الإسراء والمعراج، أرض النور والرسالات، ويسألونك متى هو؟ قل عسى أن يكون قريباً..
والله أعلم.








ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق