- بلادى توداى
- 9:33 م
- أسرتنا المسلمة
- لا توجد تعليقات
بقلم الأستاذ :- معتز مصطفى شاهين
للمشاعر والانفعالات لدى الإنسان طرق كثيرة للتعبير عنها، وتختلف تلك الطرق باختلاف الأفراد وطباعهم ومدى نضجهم العقلي والاجتماعي والنفسي، فطرق الراشد للتعبير تختلف عن طرق الطفل.
فالأطفال لا تؤهلهم قدراتهم العقلية أو اللغوية عن التعبير الدقيق عما يشعرون أو يمرون به من مشاعر، وحتى لو امتلك الطفل بعضاً من أدوات اللغة السليمة، لا يستطيع البوح بما يدور في رأسه نظراً للقيود الاجتماعية المفروضة عليه من قِبل الكبار. لذا تلعب رسومات الطفل دوراً كبيراً في التعبير عن نفسه، والتوضيح لنا نحن الراشدين عما يعانيه أو يفكر فيه.
والطفل عندما يأخذ ورقة ليخط عليها تلك الخطوط البسيطة؛ يحاول إرسال رسائل لنا عن طريق تلك الخطوط والأشكال، فالرسم عند الأطفال عالم وفن قائم بذاته، تستمد خطوطه وأشكاله من عالم الطفل نفسه، وتمتزج ألوانه بأحاسيس الطفل وانفعالاته، لتعبر في صورة صافية عن مشاعره وحاجاته.
فالكثير من الأطفال الرسم بالنسبة لهم هو " صوتهم " أو " لغتهم "، والأم أو الأب اللذان يحرمان الطفل من ممارسة الرسم، كأنما يمنعاه من التواصل مع نفسه والمجتمع، وبهذا يتحول الطفل إلى طفل " أبكم عاطفياً "، لا يملك ذكاء عاطفياً يمكِّنه من التعبير عن نفسه، لأن الوالدين والمجتمع الذي يعيش فيه قد قتل لغة التواصل التي يجيدها عن غيرها.
ونجد الوالدين لا يلقون بالاً لتلك الرسامات ويعتبرونها مجرد ( شخبطة ) لا تستحق الاهتمام، وهنا ننبه إلى أنه يجب على الوالدين ألا ينظرا إلى رسومات الطفل بشكل مطلق أو يقارنها برسومات البالغين أو درجة قربها من الواقع، وإنما بتميزها عن رسومات أقرانه في نفس العمر، أي أن تتوافر في تلك الرسوم عاملين وهما ( الجدة / و التميز ).
تطور رسومات الأطفال
تعتبر الألوان أهم ميراث حسي ومعنوي يرسخ في نفس الإنسان، تبدأ دلالات الألوان لدى الطفل من الشهر الثاني من عمره كمؤثرات بصرية، فنجد الطفل تلفت نظره الألوان الصارخة ( كالأحمر، والأصفر ) ولكنه لا يستطيع التمييز بينهما، ثم يبدأ قبل سن الرابعة بحفظ الألوان والتمييز بينها.
أما بالنسبة للأشكال، فالطفل قبل نهاية عامه الأول نجده يتناول الورقة ليحرك القلم عليها بصورة عشوائية تشد انتباهه، وحينما يبلغ الثالثة يستطيع الطفل أن يدرك أنه يمكن للمعلومات والمواقف والمشاعر التي يختزنها في ذاكرته أن تخرج على الورقة ولكن كما يراها ويريدها هو، حتى لو اختلفت عن الواقع.
ثم مع السادسة من عمره يبدأ الطفل في ملاحظة الاختلافات بين ما يرسمه والواقع، ويأخذ تلك الاختلافات بعين الاعتبار، أما في الثامنة وما بعد ذلك فإن رسوم الأطفال تتطور كثيراً، ويظهر فيها اهتمامًا ووعيًا بالنسب الواقعية، ويصبح الطفل أكثر موضوعية في تفكيره وبالتالي في رسوماته.
لماذا الاهتمام برسومات أطفالنا ؟
ذكرنا أن الرسم بالنسبة للطفل لغة يعبر بها عما يحيط به، ووسيلة للتنفيس عن انفعالاته.. وللرسومات الطفولية دلالات أخرى...
- للرسم عند الأطفال وظيفية إسقاطية، فمن خلال الرسم يستطيع الطفل أن يتحرر من عبء الأزمات الداخلية التي يعيشها داخل نفسه، ويسيطر على العالم الخارجي بموضوعاته التي تهدد أمنه، فمن خلال رسوماته يستطيع الطفل أن يسيطر على العالم ويحتل دوراً نشطاً في الأحداث بدلاً من أن يكون مجرد كم مهمل، ويتداخل الواقعي مع ما هو خيالي، مما يعطيه نوع من التكيف.
- الشخبطات التي ينتجها الطفل في سني عمره الأولي تكون طبقاً لمجرد الرغبة الحركية والعضلية بداخله؛ والتي تبحث عن متنفس. فالأطفال في سنواتهم الأولى يكونون مولعين بحركات أجسامهم وما ينجم عنها من آثار؛ فنجده يشخبط على كل الجدران والأسطح التي يقابلها. فالرسم في حد ذاته مصدر للتنفيس عن تلك الرغبة في الحركة، لذا يُعد الرسم نشاطاً يمكن السيطرة على سلوك الطفل من خلاله.
- كما ذكرنا من قبل فالرسم يتيح للطفل أن يقول " أنا هنا "، " أنا موجود "، مما يساعده أيضاً على تنمية مفهوم الذات لديه والشعور بالرضا عن نفسه، وهي من الحاجات الأساسية التي يسعى لها الفرد بشكل عام في حياته.
- يعد الرسم أحد أشكال المجال المعرفي ( العقلي ) التي تعكس تفاعل الفرد الإداركي مع نفسه والبيئة المحيطة به، لذا اهتم علماء النفس برسومات الأطفال باعتبارها مقياساً للذكاء، ووضعوا اختبارات للرسم تقيس نسبة الذكاء لدى الأطفال، لأن الرسم هو اللغة التي يجيدها الأطفال – كما ذكرنا – ، ورسومات الأطفال بقدر بساطتها وتلقائيتها في بعض الأحيان، يجد فيها الباحث معيناً لا ينضب من الحقائق والدلالات التي تعينه على فهم سيكولوجية الطفل وذكائه، ومشكلات توافقه واحتياجاته. ومنذ بداية العقد التاسع من القرن قبل الماضي بدأ الاهتمام البحثي برسومات الأطفال، ورغم عدم دقة تلك الاختبارات إلا أنه يمكن استخدامها كمؤشر ابتدائي على مدى ذكاء الطفل، أو للتعرف الأولي على سمات شخصيته الأساسية.
- من خلال الرسم يمكن لنا فهم الأجزاء الغامضة والغير مفهومة في سلوك ومشاعر الأطفال، فيمكننا ذلك من علاجهم نفسيًا من المشكلات التي تواجههم ويعجزون عن التعبير عنها بشكل طبيعي، نتيجة لقيود اللغة والضغوط الاجتماعية من حولهم. فمثلاً لو رسم الطفل صورة لشخص بالغ يضرب طفلاً، وسألناه مَن هذا سيرد ( محمد )، ومَن يضرب محمد، سيقول ( بابا أو المعلم يضرب محمداً )، فنتوصل إلى أنه يعاني نوعاً من الأذى البدني أو النفسي داخل أسرته أو مدرسته، وكذلك الحال إذا رسم الطفل صورة لأسرته بها الأم أكبر حجمًا من الأب، فذلك يعكس وجود سلطة كبيرة للأم داخل الأسرة. لذلك يوصي علماء النفس باستخدام العلاج عن طريق الرسم مع المتأخرين دراسيًا، والذين يعانون من سوء التوافق الانفعالي أو الاجتماعي، أو مَن لديهم مشكلات سلوكية.
دور المربي
- بداية يجب أن يحذر المربي من الوقوع في الخطيئة الكبرى، وهي التسفيه والتحقير من تلك الشخبطات أو الخربشات الطفولية، فلذلك وقع كبير على نفس الطفل، وتكرارها تجعله يحجم عن إخراج ما في نفسه من مشاعر وانفعالات، فينقطع خط الاتصال بين الطفل والمربي.
- قد تضيق الأمهات بتلك الرسامات التي تملأ جدران المنازل وأسطحه المختلفة، ولكن يجب أن تضعي في ذهنك أن تلك الشخبطات تُعد من أهم الوسائل لتنمية التفكير والإبداع لدى طفلك، وهي حجر الزاوية في بناء شخصية الطفل بالإضافة إلى اللعب.
- دع الطفل يرسم ما يريد بدون تحديد للموضوعات والألوان، بل أعطيه الحرية للاستمتاع بطفولته، وشجعه على تنمية موهبته. وهنا نشير إلى عدم الاعتماد على كتب التلوين الجاهزة بصورة كبيرة؛ حيث أنها تكون محددة الرسوم من قبل، مما يمنع الطفل من استخدام مخيلته ويعيق تطور إبداعه.
- تنوع المثيرات في بيئة الطفل يساعده على إخراج كل ما في جعبته من إبداع، فالدراسات الحديثة أثبتت أنه يمكن زيادة نسبة ذكاء الطفل في حالة توافر بيئة محفِّزة تساعد على ذلك، لذا على المربي العمل على إثراء البيئة المحيطة بالطفل بمختلف أنواع الاستشارة الحسية والبصرية واللمسية.
- على المربي أن يدعم الطفل أثناء إنتاجه الفني بالخبرات اللفظية التي تساعده على الربط بين الشكل واللفظ، مما يسهل عملية الحفظ والتخزين، ويسهل أيضاً عملية الاستدعاء وقت الحاجة لهذا المخزون ( التذكر ).
- توفير الخامات والمواد اللازمة للرسم والتي لا تعرض الطفل للخطر.
- محاولة تفهم عمل الطفل وما يحتويه من رموز وخيال.
- عرض جميع الرسوم التي ينتجها الطفل دون التقيد بالمستوى الفني
وليرفع المربي شعار " لنلعب معاً "، فيشترك مع الأطفال لا ليعلمهم المهارات وفقط، بل وليشعرهم بمتعة المشاركة، ويمنحهم المزيد من الثقة، والكثير من الحب.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق