- بلادى توداى
- 9:59 ص
- تحليلات هامة
- لا توجد تعليقات
لم يعد الوضع العربي يحتمِل الصبر، ولم يعد المواطن العربي قادر على تحمُّل الحالة اللاآدمية التي تعامله بها الأنظمة السياسية، ولم يعد الشارع العربي يطيق الظلم، والاستبداد، وانتهاك الحقوق، والقهر، والبؤس، وهو ينظر إلى الطغم الحاكمة في البلاد العربية على طولها وعرضها، تنهب ثروات وطنه، وتعيث فسادًا في مقدرات أمّته، وتصادر خيرات بلاده لشهوات مافيا تحالف (عائلة القصر، والعسكر، ورجال العمال)، بينما يتضوَّر الشعب جوعًا، ويتقلب على أشواك الفقر، والتخلُّف، وهاجس الرعب من القبضة الأمنية الخانقة.
وقد زادت الأنظمة الحال سوءًا عندما أغلقت جميع طرق الإصلاح أمام الشعوب، فزوِّرت الانتخابات، وحجرت الحريات، ولاحقت المعارضين.
وأطلقت يد جلاوزة التعذيب تنهش في أجساد الشرفاء، المعارضين لجرائم النظام، في أقبية وزارات الداخلية كالكلاب المسعورة، لا ترعى حرمة لدم، ولا لعرض، ولا نفس؛ إذ هم على يقين أنهم محميون من النظام، مباح لهم أن يفعلوا ما شاءوا فيمن يخالف النظام السياسي، دون حسيب أو رقيب.
واستمرّ هذا الحال، والشعوب المسكينة صابرة على هذا الضيم الذي لا يطاق، والقهر الذي لا يبدو في الأفق منه انعتاق.
حتى إذا بلغ السيل الزبا، وجاوز الحزام الطبيين، ورجا الناس أن يزول الكابوس، فانتهاء فترة الحكم، وتطلعوا إلى التغيير، وتعلقت نفوسهم بأمل التبديل، طلع عليهم الزعيم يبشِّرهم بأنّ ابنه الذي نبت لحمه، وشحمه، من السحت الذي أكله أبوه، من نهب ثورة الشعب، أنّه سيكمل معهم مسيرة المعاناة، لتستمر، فتنقل إلى أولادهم وفلذات أكبادهم، ثم إلى أحفادهم، فيبقون في زنازين النظام البائسة إلى أن يورِّثوا ذلك إلى أصلابهم!
فحينئذ ثاروا، وحُقّ لهم أن يثوروا..
وها هي مصر، تقود التغيير كعادتها الحميدة..
وتعالوا لنمر سريعًا على السبب وراء خروج الشعب المصري البطل بالآلاف اليوم؛ يحرقون مقار الحزب الحاكم، ويتحدون أجهزة الأمن، ويتلقون عربات الأمن المركزي بصدورهم العارية، ويمزقون صورة الرئيس.
في تقرير صندوق النقد الدولي للتنمية الزراعية 45% من الشعب المصري يعيش حالة فقر في مناطق عشوائية، وفي تقرير للجنة الإنتاج الزراعي في مجلس الشورى 45% من الشعب المصري يعيش تحت خط الفقر بأقل من دولار باليوم، وفي تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء مليون ونصف مصري يعيشون في المقابر! 20 مليون مصري مصاب بالاكتئاب، و1200 حالة انتحار سنويًّا، المركز 57 من بين 60 دولة في تقرير البؤس العالمي من حيث معدلات البؤس، والشقاء، والتخلف، والفقر.
وفي تقرير مركز الدراسات الريفية 39 مليارًا و373 مليونًا و524 ألف جنيه تم إهدارها في الفترة ما بين إبريل 2008م ويناير 2009م؛ بسبب الفساد المالي والإداري!
المركز 115 من بين 134 دولة في مؤشر مدركات الفساد الذي يقيس درجة انتشار الفساد بين المسئولين في الدولة، المركز الأخير من بين 134 دولة في مؤشر كفاءة سوق العمل، 26% من المصريين لا يعرفون القراءة والكتابة، وربع المصرين يعانون من ارتفاع ضغط الدم، وأعلى معدلات لوفيات الأطفال في العالم، والمركز الثاني على مستوى العالم في الوفاة بسبب مرض السكر، 20 ألف مواطن يموتون سنويًّا بسبب نقص الدماء، أكثر من 100 ألف مواطن مصري يصابون بالسرطان سنويًّا بسبب تلوث مياه الشرب، ثم هناك تفاصيل أخرى مروعة في المصدر هنا.
وكنت قبل عام وشهر تمامًا، قد كتبت مقالاً عن التوريث جاء فيه:
(الحلّ الثالث: هو الثورة الشعبية لمنع التوريث، ولكن هذه لا تتم إلاّ إذا اقتنعت الشعوب أنّ الموت سيأتي لا محالة، فهي إمَّا تموت بعشرات الآلاف موتًا بطيئًا، من الجوع، والمرض، وسرقة الأعضاء، والتعذيب في سراديب الأمن، والقهر، والفقر، والجهل، والسيول،... إلخ، أو تموت بضع مئات في يوم واحد في الزحف الثوري، وهذا الحلّ كان متعذرا في السابق؛ لأن التعبئة الإعلامية لتعليم الناس الفرق بين (الميتيين) غير ممكنة، بسبب احتكار السلطة لوسائل الإعلام التي تصنع وعي الشعوب، غير أن الحال قد اختلف اليوم جذريًّا، فالوصول إلى الرأي العام والتأثير فيه، قد خرج عن السيطرة تمامًا.
ويبدو أن هذا الحل الثالث قادم لا محالة، ألا ترون شعوب الأرض قد أصبح حراكها للتغيير أسرع وتيرةً مما مضى، وكل ما في الأمر أن الشعوب العربية بمخطط سياسي مدروس قد بقيت في ظلمة الجهل والأمية، أكثر من غيرها من الشعوب، وقد بدأت اليوم تتغيّر، فنحن مستبشرون بإذن الله تعالى بتحوُّل قادم.
وهذا التحوُّل سينتج منه أنظمة سياسية تنبثق من إرادة الشعوب بقيادة النخب، وتستمد شرعيتها بقدرتها على تحقيق أهداف الأمة الحضارية، وتنتهج ثقافتها الإسلامية، وتعتز بهذه الهوية، ثم ترتبط ببعضها في مؤسسات دولية إقليمية تمد جسورًا بين هذه الأنظمة، ينتج عنها وحدة أممية.
وهذا التحول آتٍ لا محالة، غير أن العامل الزمني في معادلات الانقلاب الكبرى يكون طويلاً نسبيًّا في سنن الله تعالى.
ويدل على أن هذا الاستشراف للمستقبل سليم تمامًا، هذه المعادلات العجيبة: الأمّة في ضعف، والإسلام في قوّة.
ما يسمى بالحرب على الإرهاب في أوج ضجيجها، وتستهلك اقتصاد الطغيان العالمي، والجهاد الإسلامي يزداد قوة وانتشارًا.
ساسة الغرب الذين يملكون أقوى وسائل القوة، يبذلون كل جهدهم في وقف تنامي المدّ الإسلامي، وهو يتمدّد كالتسونامي الذي لا يقف أمامه شيء رغم وسائله الضعيفة.
شياطين الإفساد تعمل بكل طاقتها لمحاربة الدين، والتديُّن يأخذ في التصاعد حتى اكتسح تركيا التي لم يُحارب الدين في بلد كما حورب فيها..
الحرب على الفضيلة تستعر، والحجاب ينتشر.
النظام السياسي العربي يزداد جهلاً، والشعوب العربية تزداد وعيًا.
النظام السياسي العربي يزداد بطشًا وتخويفًا للشعوب، وهي تزداد جرأة، وشجاعة على مواجهة طغيانه.
محاولات التزييف الإعلامي لخداع العقل تتنامى، واليقظة تزداد.
أمريكا تضاعف نفقاتها في حلم السيطرة العالمية، وفشلها يتضاعف بالتوازي.
الكيان الصهيوني يزداد عملاؤه في النظام العربي، ورغم ذلك تتقهقر قوته ونفوذه، ويتعرض لانتكاسات مفصليّة.
ولا يخفى على من يفقه مسارات التاريخ، أنّ هذا كله إنما يدل على شيءٍ واحد، ويسير نحو اتجاه واحد، وهو أن عملية تحوُّل حضارية هائلة قادمة لا محالة، ولما كانت النهضات التاريخية لا تعبر إلا عن خلل نظام سياسي يحملها على عاتقه، فهذا يبشر بأن كارثة التوريث في بلادنا العربية ستتوقف، وستشرق شمس حضارتنا من جديد بإذن الله تعالى.
كل ما عليكم أيها الشعوب، أن تستمروا في طلب الوعي من غير وسائل الإعلام الرسمية، وأن تسيروا مع رياح التغيير فهي باسم الله مجريها ومرساها، وأن تتيقنوا أن مسلسل التوريث إنما هو من ميراث المستعمر، ليحقق أطماعه، وأنه إذا كان في ماضي الأمة يورث معه أهداف حضارتنا، فهو اليوم بعكس ذلك تمامًا، فيجب أن يتوقف بكل السبل المتاحة.
ولا أخال أنه سيمضي عقدان أو ثلاثة، دون أن نشهد زوال الكيان الصهيوني، واضمحلال الهيمنة الأمريكية، وعودة قدرة الإسلام على التأثير في العالم) ا.هـ. الاقتباس من المقال السابق.
ولكن يبدو أن التغيير بدأ قبل ما توقعت، والحمد لله تعالى.
أيتها الشعوب العربية الأبيّة:
أملٌ علـى مرِّ العقـود يجافي *** والآن يأتـي يا شعــوبُ يـوافي
يمْضـي إلى عهـدٍ يحلُّ بأرضِنا *** يَسْقي الشعوبَ مـن الغِياثِ الصَّافي
ويُفيضُ نـورَ العدلِ حتى يرْتوي *** شعـبُ العـروبةِ من منارٍ ضَافي
لقد آنستنا تونس -بإذن الله تعالى- بأن تهب علينا رياح التغيير، فانطلقت منها، ليحتضنها النيل العظيم، فيحوِّلها إلى عاصفة في أرض الكنانة.
وها هي مصر العظيمة، مصر الحضارة، مصر القيادة، مصر التغيير، مصر الإباء، مصر العزة، مصر المجد، والفخر، والحريّة.
ها هي تنتفض فتقود الأمّة إلى عهد جديد:
تسترجع فيه الأمّة مكانتها، وتعيد إليها حقوقها، وتحيي كرامة شعوبها، وتسترد ما اغتصب منها، وتضع كل الأمور في نصابها الصحيح.
وتوقظ العملاق الإسلامي لينهض على قدميه من جديد، حاملاً شعلة الحضارة الرشيدة؛ لتقود البشرية إلى عهد العدل، والحق، والنور.
فيا أيها الشعب المصري البطل، استمر في ثورتك المباركة حتى:
تعيد مكانة مصر القيادية، والريادية في العالم العربي كما كانت.
وحتى تسحق الظلم، والفقر، والجوع، والبطالة، والبؤس، والتعذيب، وإهدار حقوق الإنسان.
وحتى تصنع نظامًا جديدًا، تسلِّمه أنت بإرادتك الحرة مؤسسات الدولة؛ ليكون خادمًا للشعب، حارسًا على مصالحه، راعيًا لضعفائه، قائمًا على حاجاته، موصلاً حقّ الفقير إليه قبل الغني، والضعيف قبل القوي، والصغير قبل الكبير.
وحتى تجعل المؤسسات الأمنية لأمن الوطن، والسهر على راحته، ولتمتُّعه بحقوقه كاملة، وليس لأمن النظام، ولحماية فساده، بتخويف الناس، وإرهابهم، ومراقبتهم، والتجسُّس عليهم، ثم تعذيبهم، وقتلهم، ورميهم جثثًا في الشوارع!!
وأخيرًا -وهو أهم شيء- حتى تحفظ كرامة الأمة كلها، بحفظ دينها أولاً، وطرد المستعمر الجديد من بلادها، والوقوف مع قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
وحتى يُجبر الغرب المنافق الحامي لكل الاستبداد، والظلم في بلادنا، يُجبر على احترامنا، ويكفُّ عن احتقار أمتنا، واغتصاب أرضنا، وتقسيم بلادنا، وسفك دمائنا، ونهب ثرواتنا.
ويا أيها الشعوب العربية من الخليج إلى المغرب، اقتدوا بمصر، وثوروا حتى تحققوا هذه الأهداف كلها.
ويا أيها الحكام، اعقلوا الدرس، واعلموا أن دائرة بغيكم ستدور عليكم جميعًا لا محالة، فأخرجوا الشرفاء من سجونكم، واطلبوا منهم العفو والصفح، وبادروا إلى التصالح مع أمّتكم، والتوبة من جرائمكم، وسلموا ما بأيدكم كله حتى مؤسسات الدولة إلى الجماهير لتضع عليها من ترتضيه؛ عسى أن تعفوا عنكم الشعوب قبل فوات الأوان.
واعلموا أن ما يجري في البلاد العربية من ثورات، هو أيضًا نتيجة لضعف الغرب الذي كان دائمًا يدعم الاستبداد، وهو بنفاقه المعهود يزعم في الظاهر أنه العالم الحرُّ، ولهذا بدأ حلفاء أمريكا والغرب يتساقطون، وبدأ الغرب يتنصل منكم، كما تنصّل من شين الفاجرين، وها هو يتنصّل من كبير الفراعنة!
قال الحق سبحانه: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].
اللهم أبرم لهذه الأمّة أمرًا رشدًا، تقمع فيه الظلم وأهله، وتعزّ فيه الحق وأهله، وتقيم راية العدل، وتخفض راية الجور، وتعلي صرح الفضيلة، وتهدم علم الرذيلة، وتعيد فيه هذه الأمّة إلى دينها الذي فيه وحده عزُّها ومجدها.. {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8].
والله الموفق، وهو حسبنا عليه توكلنا وعليه فليتوكل المتوكلون.
المصدر: موقع طريق الإسلام.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق