- بلادى توداى
- 8:31 ص
- أبحاث ودراسات
- لا توجد تعليقات
الدولة و النظام السياسي
الفصل الأول: الـــدولـــــــة
رسخ الإسلام نموذجاً للدولة تحققت فيه أركانها الأساسية وقواعدها، من مبادئ الاختيار والمسئولية والمحاسبة والتقاضي، واعتبرت قواعد أساسية لإدارة نظام الدولة، وتحقيق مبدأ الفصل الواضح بين السلطات دون أن تفقد عناصر تكامل أدوارها ووظائفها، وكان هذا الجانب واضحاً في الوظيفة القضائية التي قامت بدور مهم في الحد من هيمنة الحكام ومحاسبتهم، إلى جانب استقلال المجتمع، كما ساهم العلماء والفقهاء المستقلون عن سيطرة الحكام في زيادة رصيد الأمة العلمي والفقهي والحضاري.
ثم نشأت في الغرب دول قومية في مواجهة الكنيسة الكاثوليكية، ساهمت في وضع نظم جديدة لإدارة الدولة، والوصول بها إلى دولة المؤسسات، وقد صاحب الدولة القومية الأوربية نزعة توسعية لغزو بلدان أخرى، مما يهدد فكرة السيادة نفسها، ويتيح حرية التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدولة تحت أي ذريعة كانت.
وبعد ذلك نشأت دول قومية في العالم الإسلامي علي النسق الغربي، لم تصل إلى مرحلة الاستقرار والنضج، نتيجة خضوعها للتغريب، والتبعية والتجزئة، والفساد، والاستبداد والتخلف.
ويقوم منهجنا الإسلامي لإصلاح الدولة وفق الخصائص الآتية :
أ - دولة تقوم علي مبدأ المواطنة
مصر دولة لكل المواطنين الذين يتمتعون بجنسيتها وجميع المواطنين يتمتعون بحقوق وواجبات متساوية، يكفلها القانون وفق مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص.
ونعتبر المواطنة هي القاعدة التي تنطلق عنها المطالبة بالديمقراطية، ليس بغرض تداول السلطة فحسب، بل بغرض ممارسة الديمقراطية، المتجاهل لمبدأ الأغلبية.
ويجب أن تعزز النصوص القانونية معاملة كل المواطنين علي قدم المساواة دون تمييز، وعلي الدولة والمجتمع العمل علي ضمان قيام الأوضاع الاجتماعية اللازمة لتحقيق الإنصاف، وأن يمكن الأفراد من المشاركة بفاعلية في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم، وخاصة في القرارات السياسية.
ب - دولة دستورية
استقر بناء الدولة الدستورية علي دعامات ثلاث؛ السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية، والتي تعمل بشكل متمايز ومتكامل ومتضامن في آن واحد، باعتبار هذه الدعامات مانعاً من الاستبداد واحتكار السلطة والمقرر شرعاً هو سد ذرائع الفساد ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وإلي جانب ما يتيحه تعدد السلطات من توزيع للمسؤوليات والسلطة ومنع احتكارها من قبل أي قوة واحدة، ينبغي أن تشتمل كل سلطة من هذه السلطات علي كيانات مؤسسية ترسخ دعائم مستقرة وقواعد عمل واضحة وسياسات محددة، بشكل يعكس الشفافية والمشاركة، فهي أمور تعني أن تعددية السلطة هي الحافظة لمعادلة أن كل سلطة لابد أن ترتبط بالمسئولية، وكل مسئولية لابد أن تتلازم مع المساءلة.
وتقوم الدولة الدستورية علي السلطات التالية : ـ
السلطة التشريعية والتي تشكل من نواب منتخبين من الشعب بالاقتراع السري المباشر، ويتولون سن القوانين والرقابة علي السلطة التنفيذية.
السلطة التنفيذية وتتولاها الحكومة، وهي مسئولة أمام السلطة التشريعية.
السلطة القضائية ويتولاها قضاة يتمتعون بالاستقلال الكامل وهي تتولي تطبيق وتنفيذ الدستور والقوانين التي تسنها السلطة التشريعية.
ج - دولة تقوم علي الشورى
تعد الشورى مبدأ أساسيا تقوم عليه الدولة بكل أبعادها فهي ليست مجرد مبدأ سياسي يحكم أشكال العلاقات السياسية فحسب.. بل هي نمط سلوك ومنهج عام لإدارة مختلف جوانب الحياة في الدولة... بالإضافة إلى كونه قيمة إيمانية وخلقية توجه سلوك الأفراد وعلاقاتهم الاجتماعية، يتربي عليها الفرد والمجتمع والحكام لتصبح جزءاً من مكونات الشخصية الوطنية وأحد مقوماتها، ويصطبغ بها كل المواطنين.
والشورى التي نؤمن بها ونسعى إلى تحقيقها وتأسيس نظام الحكم عليها ليست قالباً جامداً ولكنها تعني إرساء مبدأ تداول السلطة وحق الشعب في تقرير شؤونه واختيار نوابه وحكامه ومراقبتهم ومحاسبتهم وضمان التزامهم في ما يصدر عنهم من قرارات أو تصرفات لتسيير الشئون العامة ً برأي الشعب مباشرة أو عن طريق نوابه حتى لا يستبد بالأمر فرد أو ينفرد به حزب أو تستأثر به فئة، وهي إلى جانب ذلك مصدراً لتحديد القواعد الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم ودستور الدولة.
إن عدم تحديد شكل معين للشورى مع القواعد الإسلامية المقررة لتحقيق مصلحة العباد والبلاد يوجب علينا أن نأخذ بأحسن ما وصلت إليه المجتمعات الإنسانية في ممارستها الديمقراطية في عصرنا الراهن من أشكال وقواعد وطرق إجرائية وفنية لتنظيم استخلاص الإجماع وتحسين ممارسة السلطة وضمان تداولها سلمياً وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية فيها وتفعيل المراقبة عليها.
د - دولة سيادة القانون
تعد سيادة القانون مبدءاً من مبادئ الدولة الدستورية العادلة، ولتعزيز هذا المبدأ وتجسيده في الواقع العملي لابد من:
ضمان المشاركة الحقيقية للمواطنين، عبر الهيئات التشريعية في تقديم مقترحات بالتشريعات والقوانين وإقرارها، وفي اختيار ممثليهم.
بسط وتعزيز سلطان القضاء وضمان استقلاله والعمل علي تنفيذ أحكامه.
ضمان خضوع سلطات الدولة للقانون، وانضباطها به، واحتكامها إليه، واعتبار كل تصرف يصدر عن السلطات العامة مخالفاً للدستور والقانون باطلاً يستوجب المساءلة، بل يجب أن يتضمن الدستور كل ما يؤكد علي عناصر الرقابة والمساءلة والمحاسبة.
هـ - دولة مدنية
الدولة الإسلامية هي دولة مدنية بالضرورة، لأن الوظائف فيها أساس توليها الكفاءة والخبرة الفنية المتخصصة والأدوار السياسية يقوم بها مواطنون منتخبون، تحقيقاً للإرادة الشعبية الحقيقية،والشعب مصدر السلطات، وصولاً لحفظ أمن المجتمع، إذ تنشأ علاقة بين السلطة والشعب تقوم علي التكامل والتكافل لتحقيق المصلحة العليا للمجتمع، وتعظيم المجال المشترك بينهما، فالشعب الناهض ليس بديلاً عن الدولة الشرعية الفاعلة ولا مزاحما لها، بل يعد مصدرا من مصادر قوة الدولة.
والدولة المتصفة بالشرعية والفاعلية أهم مصدر من مصادر قوة الشعب، بما تسمح به من قيام مؤسسات أهلية تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وبما تتيحه من مجالات وما ترسمه من خطط للنهوض والتقدم أمام المواطنين.
والدولة هي وكيل عن الأمة تقوم بكل ما لا تستطيع الأمة القيام به، وتقوم بالمهام المركزية مثل الدفاع والأمن والخارجية، وهي مسئولة عن التخطيط المركزي، وتوجيه القطاع الخاص والأهلي بسياسة الحوافز، كما أنها مسئولة عن مواجهة الأزمات والمشكلات الكبرى، وتعويض النقص في الخدمات والحاجيات الأساسية، وهي في كل هذا تعمل وفق تعاقدها الدستوري مع الأمة كوكيل لها، ومن خلال مراقبة السلطة التشريعية لأداء الدولة نيابة عن الأمة.
وللدولة وظائف دينية أساسية، فهي مسئولة عن حماية وحراسة الدين، والدولة الإسلامية يكون عليها حماية غير المسلم في عقيدته وعبادته ودور عبادته وغيرها، ويكون عليها حراسة الإسلام وحماية شئونه والتأكد من عدم وجود ما يعترض الممارسة الإسلامية من العبادة والدعوة والحج وغيرها. وتلك الوظائف الدينية تتمثل في رئيس الدولة أو رئيس الوزراء طبقا للنظام السياسي القائم. ولهذا نري أن رئيس الدولة أو رئيس الوزراء طبقا للنظام السياسي القائم عليه واجبات تتعارض مع عقيدة غير المسلم. مما يجعل غير المسلم معفي من القيام بهذه المهمة، طبقا للشريعة الإسلامية، والتي لا تلزم غير المسلم بواجب يتعارض مع عقيدته، كما أن قرار الحرب يمثل قرارا شرعيا، أي يجب أن يقوم علي المقاصد والأسس التي حددتها الشريعة الإسلامية، مما يجعل رئيس الدولة أو رئيس الوزراء طبقا للنظام السياسي القائم، إذا أتخذ بنفسه قرار الحرب مساءلا عن استيفاء الجانب الشرعي لقيام الحرب، وهو بهذا يكون عليه واجب شرعي يلتزم به.
و- دولة تحقق وحدة الأمة
تعمل الدولة المنشودة علي قيام وحدة الأمة العربية أولا ثم الأمة الإسلامية في ظل التكتلات الكبيرة والعولمة.فالأمة الإسلامية أمة واحدة، لأن الأخوة التي جمع الإسلام عليها القلوب أصل من أصول الإيمان لا يتم إلا بها ولا يتحقق إلا بوجودها، ولا يمنع ذلك حرية الرأي وبذل النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالدين النصيحة.ولقد جمع الإسلام في مجتمعه بين الإخوة الإنسانية و الإسلامية.
ولا تجوز الفرقة في الشئون الجوهرية الأساسية في الأمة الإسلامية والخلاف في الفروع لا يضر ولا يوجب بغضًا ولا خصومة.
ولأن الدولة وكيل عن الجماعة السياسية المصرية، لذا يكون عليها تحقيق آمال هذه الجماعة في الوحدة العربية ثم في الوحدة الإسلامية، والتي تمثل الانتماء الحضاري والديني، والذي جمع رابطة العقيدة مع رابطة الحضارة، وجعل كل مكونات أمتنا مع اختلاف الدين واللغة وغيرها، ينتمون لوعي جمعي يؤصل لوحدتهم. وللوحدة أشكال كثيرة، وكل ما صلح من تلك الأشكال هو هدف لنا، وكل عمليات الوحدة تتم تدريجيا، وهدفها النهائي الوصول لكيان مؤسسي جامع، في شكل إتحاد عربي ثم إتحاد إسلامي).
إن المشروعية السياسية، تتطلب وصول المجتمع بكل فئاته لحالة التوافق الديمقراطي حول القضايا والمسائل الوطنية الكبرى، وخاصة قواعد إدارة النظام السياسي والنشاط السياسي ولن يتم ذلك إلا بتوفير مناخ الثقة المتبادل بين كل الفئات كشرط لتحسين الأداء داخل النظام السياسي والذي نرى أن يكون نظاماً رئاسياً - برلمانياً وذلك في ظل الواقع المصري الحالي والمناخ السائد على المستوى الإقليمي والدولي، ويمكن أن يتغير هذا الاختيار في المستقبل إذا ما تغير الواقع المحلي والمناخ الإقليمي والعالمي وطبقاً لإرادة الأمة وباختيارها الحر عبر آليات الديمقراطية الحقيقية، ويتطلب ذلك:
أولاً: توافر المناخ الملائم للتحول الديمقراطي وتعميق الشورى
أ – تعزيز آليات الديمقراطية ومبادئ الشورى
يتم ذلك في إطار مبادئ وقواعد أساسية تقوم علي :
توسيع قاعدة المشاركة السياسية لكل القوى، وإشراك كل الفئات وجميع الراغبين في المشاركة، وذلك من خلال استراتيجيه الدمج والإدخال بديلاً عن الإقصاء والاستبعاد واحترام قواعد المنافسة التي تتم من خلال آلية الانتخابات الدورية النزيهة لضمان استقرار العمل السياسي السلمي.
التوافق الديمقراطي حول القواعد الأساسية للنظام السياسي، والتي تمثل قاسماً مشتركاً بين كل القوي السياسية، والحفاظ علي المصالح الأساسية لكل فئات وشرائح المجتمع المصري
التوافق المجتمعي مقدم علي التنافس السياسي، والوصول إلى الحد الأدنى أو الحد الضروري من توافق أو إجماع الأمة علي نظامها السياسي ودستورها، مقدم علي التنافس القائم علي أغلبية ومعارضة، ونري أن دورنا الأساسي يقوم علي تجميع الأمة لتأسيس نظامها القائم علي الشورى والديمقراطية، وتحديد مبادئها الدستورية الأساسية، مما يمكن من قيام التنافس السياسي في ظل توافق مجتمعي صلب.
ب - ضمانات الحرية
الحرية كأصل إسلامي وتراث إنساني ركن أصيل في العلاقة التعاقدية بين المواطن أو مؤسسات المجتمع المختلفة من جهة، وبين السلطة الحاكمة من جهة أخرى، بما يوفر عدالةً تُساوي بين الأفراد، وتضمن حرياتهم في الاعتقاد، والتصرف والتملك، وإبداء الرأي والتعبير والتنقل و الاجتماع وتكوين الأحزاب والجمعيات و إصدار الصحف.
إن ضمان الحرية، وصيانة الحقوق للمواطن، وفئات المجتمع المختلفة، يتحملها النظام السياسي بكل مفرداته، من نظم ومؤسسات وإجراءات وتوجهات إدارية وعملية، ولا تقتصر الحرية علي الحريات الدينية والسياسية فحسب، ولكنها تشمل التحرر من كل أنواع وأشكال القهر والاستبداد، والنيل من الكرامة الإنسانية.
ولمنع استبداد السلطة يجب العمل على :
سن التشريعات والقوانين واللوائح الضامنة للحرية.
تفعيل نظام للتنشئة السياسية لكل أفراد المجتمع يجعلهم فاعلين ومشاركين في الحياة السياسية، مشاركة إيجابية وسلمية.
تطوير النظام التعليمي والثقافي والإعلامي لأجل تكوين المواطن الصالح الناضج والمؤهل للمشاركة السياسية الفعالة، والداعمة للتنمية المستدامة وهذه كلها تضمن؛ تعليم الحقوق والواجبات، وتنمية القدرات الفردية والجماعية، وبث قيم الحوار والمشاركة وتأصيل قواعد المسئولية والمساءلة.
تطوير نظام للتنشئة الاجتماعية يدعم احترام الدولة لقيم الشعب المصري وثوابته الأساسية، وخاصة الدينية بكل أطيافها، والتي تعلي من قيمة مدنية الدولة بين أفراد المجتمع.
العمل علي أن يعكس الدستور الهوية الجامعة للأمة بأبعادها الإسلامية و الحضارية والعربية ولا يكون متصادما معها، وهذا شرط أساسي لتوليد مناخ تعاقدي توافقي بين الأفراد والمجتمع والدولة.
جـ) منظمات المجتمع الأهلي ومؤسسات الشعب
تتمثل هذه المنظمات في الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية والاتحادات التجارية والصناعية والطلابية والجمعيات الأهلية وغيرها، وهي تمثل الرأي العام للمجتمع في التعبير عن مصالحه وإبداء رأيه في الشئون العامة ووجود هذه المنظمات المتعددة واستقلالها، يعد ضرورة لاستقرار النظام السياسي، وإقامة الديمقراطية، تضفي الحيوية علي الأنشطة الاجتماعية والثقافية والتربوية، ولذلك فإن تسهيل إنشاء هذه المنظمات واستقلالها ودعمها يعد من أولويات السياسات العامة.
ويعني استقلال هذه المنظمات، أن تكون قادرة وممكنة في إدارة شئونها الداخلية وفقاً لأهدافها المعلنة ونظامها الأساسي دون تدخل إداري من السلطة الحاكمة يعطل أعمالها ويقصي فاعليتها الحقيقية، شريطة عدم مصادمة أعمالها للقانون و حريات الآخرين والقيم الأساسية للمجتمع وقواعد النظام العام، وأن تتسم أعمالها بالشفافية وتوسيع قـاعدة المشاركة الطــوعية أمام المواطنين والإفصاح عن مصادر التمويل وطرق الإنفاق.
ثانياً: الفصل بين السلطات
سبق القول بأن الفصل بين السلطات من أسس النظام السياسي الدستوري الإسلامي. ولإحداث إصلاح حقيقي يجب مراعاة هذا المبدأ وهو يقوم علي :
أ- تحديد الاختصاصات :
تختص السلطة التشريعية بمجلسيها الشعب والشورى بعملية التشريع وسن القوانين والرقابة علي السلطة التنفيذية. ونهدف في برنامجنا إلى تعزيز هذه السلطة بضم كافة الأجهزة الرقابية المركزية لمجلس الشعب لتعظيم دوره الرقابي وضم المجالس القومية المتخصصة لمجلس الشورى لتعظيم دوره التشريعي في كافة القوانين والتشريعات وتعظيم دوره التخطيطي خاصة في ما يتعلق بالمشاريع والبرامج القومية. وتختص السلطة القضائية بإعمال سيادة القانون وحسن تطبيقه وإنفاذ أحكامه علي أفراد المجتمع والدولة وتختص السلطة التنفيذية بوضع الخطط التنفيذية وإدارة دولاب العمل الإداري في الدولة وإصدار القرارات اللازمة لتنفيذ القانون والمساعدة علي تنفيذ الأحكام القضائية.
إن ضبط نقاط التماس والتداخل بين السلطات آلية مهمة للحفاظ علي استقرار المجتمع وفعالية المؤسسات، لذا يجب البدء بإجراءات تصحيحية تضمن قيام كل سلطة باختصاصاتها، والتأكيد علي ضرورة التوازن والفصل بين السلطات كمبدأ دستوري، وتعزيزه بتشريعات مساندة في سياق عملية تحول سياسي تؤدي لتأسيس نظام نيابي برلماني فعال وقضاء مستقل استقلالاً كاملاً وحقيقياً.
ب- حياد جهاز الإدارة العامة:
كما يتضمن هيكل النظام السياسي نظاماً فعالاً للإدارة العامة الرشيدة، يقوم علي بُني مؤسسية مستقرة تتسم بمعايير الكفاءة والنزاهة والحياد، وذلك بطرح نظرة شاملة لإصلاح الجهاز الإداري في الدولة تؤهله للقيام بوظائفه التنموية، والخدمية بصورة أكثر كفاءة وحيادية بغض النظر عن تداول السلطة بين الأحزاب المختلفة. فمن المهم أن لا يكون الجهاز الإداري للدولة حزبيا وتابعا لنخبة بعينها، وأن لا يتم السيطرة علي الحكم من خلال السيطرة عليه، مما يجعل أجهزة الدولة طرفا في التنافس السياسي، ويفقدها وظيفتها الأساسية ويعرضها للفساد.
ولضمان كفاءة الجهاز الإداري وحياده، يجب أن تخضع الترقيات لقواعد موضوعية ثابتة ومستقرة، مع وضع نظام واضح للمساءلة والمحاسبة، وضمان نظام عادل للأجور والمكافآت يحد من الاستغلال السياسي والفساد المالي والإداري.
ولضمان عدالة جهاز الشرطة المركزي ونزاهته في التعامل مع الأفراد والمؤسسات فيجب أن يتبع هذا الجهاز لوزارة العدل لتتمكن من القيام بمهمتها الأساسية المنوطة بها وهي نشر العدل والأمن بين المواطنين بدلا من المهمة الحالية التي فرضها عليها النظام للتحكم في السلطة القضائية وتعطيل أدائها.
جـ - نظام الإدارة المحلية:
لتطوير الإدارة المحلية يتبني البرنامج نظام الحكم المحلي وليس مجرد الإدارة المحلية، بما يستتبعه من اللامركزية وتعميق الممارسة الديمقراطية الأمر الذي يستلزم الآتي :
اختيار المحافظ بالانتخاب الحر المباشر.
منح أعضاء المجالس الشعبية المحلية المنتخبة بمختلف مستوياتها وسائل الرقابة المختلفة كالسؤال وطلب الإحاطة والاستجواب وطلب المناقشة العامة وسحب الثقة وغيرها.
منح المجالس الشعبية المحلية المنتخبة حق اقتراح المراسيم المحلية وضبط الميزانيات المحلية في إطار القانون و الخطة العامة للدولة.
تبعية أجهزة الأمن علي مستوي المحافظة للمحافظ المنتخب وليس للإدارة المركزية.
د-المجتمع الأهلي والرأي العام:
يقوم المجتمع الأهلي بتوفير مظلة أمان لاستقرار النظام السياسي، وتعزيز دور المؤسسات، ويتجلي ذلك في سعي الرأي العام ممثلاً في الأحزاب السياسية، والنقابات المهنية والعمالية، والاتحادات التجارية والطلابية و الجمعيات الأهلية وغيرها من المؤسسات للتعبير عن مصالحه وإبداء رأيه في الشئون العامة، وحرية النشاط في مختلف مؤسسات المجتمع الأهلي، والتي هي مؤسسات الأمة، خاصة في النقابات واتحادات الطلاب غيرها، تمثل الأساس لترسيخ مفاهيم المشاركة، لذا لا يجوز السيطرة عليها من قبل الدولة أو من قبل السلطة الحاكمة. ونؤكد هنا أن مؤسسات الأمة الأهلية، هي أساس نشاط الأمة، ولا يجب خضوعها لجهة الإدارة، بل تخضع للقانون فقط. حتى يكون للأمة حريتها في تحديد توجهاتها المستقبلية والحضارية، وبهذا تقوم الأمة بدورها الأساسي ووظيفتها الأولى، وهي النهوض الحضاري.
ثالثاً: حرية تداول البيانات والمعلومات
إن إتاحة البيانات والمعلومات ضرورة لازمة لتفعيل المشاركة السياسية والمجتمعية وتحسين مناخ الاستثمار. ولتحقيق ذلك يجب إصدار قانون يتيح للأفراد الحق في الحصول عليها وذلك من خلال:
1. تدقيق وتصحيح البيانات الرسمية.
2. إتاحة البيانات المتوافرة لدي المؤسسات القومية للنشر العام.
3. تعزيز حرية الصحافة والنشر والتعبير عن الرأي.
4. الإفراج عن الوثائق المتعلقة بالأمن القومي التي يحددها القانون بعد مضي 25 عامًا.
رابعاً: المساءلة والمحاسبة
إن غياب المساءلة يفقد النظام السياسي حيويته، ويجعله غير قادر علي التحول نحو النضج المؤسسي، كما يقعده عن القيام بوظائفه الأساسية، باعتبار أن الإصلاح السياسي شرط ضروري لحدوث التنمية الاقتصادية، فلابد من تحسين المناخ السياسي لجذب الاستثمارات وتوفير فرص لنمو المشروعات، مع التركيز علي بناء سياسات لمكافحة الفساد. ويحتاج ذلك إلى:
إلغاء تبعية المؤسسات والهيئات الرقابية للسلطة التنفيذية وضمها للسلطة التشريعية متمثلة في مجلس الشعب،ونشر تقاريرها بحرية وشفافية تامة.
تعزيز دور السلطة القضائية في تثبيت سيادة القانون واحترام أحكام القضاء.
تفعيل دور الرأي العام في عملية الرقابة علي عمل المؤسسات، وذلك من خلال إعطاء حرية الصحافة والنشر أهمية في التشريعات القانونية، والتأكيد علي حرية التعبير للأفراد والجماعات.
إصدار قانون جديد لمحاكمة الوزراء.
خامساً: التعددية السياسية
التعددية السياسية تعكس اختلاف المصالح والاهتمامات والأولويات في المجتمع، وهذا الاختلاف يمكن التعبير عنه بواسطة الأحزاب السياسية، والتجمعات الاقتصادية والثقافية، والجمعيات الأهلية والنقابات المهنية والعمالية بما يحقق الدفاع عن مصالح الأطراف المتنوعة، ولتحقيق هذه التعددية يجب العمل علي :
إنهاء هيمنة واحتكار الحزب الحاكم للسلطة ومنع استخدامه لموارد ومؤسسات الدولة وخاصة الأمنية لتحقيق مصالحه.
إطلاق حرية تكوين الأحزاب دون تدخل من السلطة التنفيذية،وأن تنشأ الأحزاب بمجرد الإخطار، وذلك بشرط عدم وجود تشكيلات عسكرية لها وألا تتضمن برامجها أي تمييز بين المواطنين.
إتاحة فرص أوسع لنشر ثقافة التعددية الحزبية، علي المستوي الوطني.
تقوية دور الجمعيات الأهلية والنقابات المهنية والعمالية وكافة مؤسسات العمل الأهلي وذلك بإتباع سياسات تضمن إزالة القيود علي إنشائها، و نشاطها في ظل الحفاظ علي سلطة الرقابة المالية علي الموارد والنفقات لها.
سادساً: المساواة وتكافؤ الفرص
يعد مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص ضرورياً لتحقيق العدالة و تعميق الانتماء للوطن ويتحقق ذلك عن طريق :
عدم التمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات علي أساس الدين أو الجنس أو اللون كحق التملك والتنقل والتعلم والعمل وممارسة العمل السياسي والتعبير عن الرأي – في ظل الحفاظ على القيم الأساسية للمجتمع-والترشح للمجالس المحلية والنيابية وتولي كافة الوظائف القضائية والتنفيذية، في كل المجالات وعلى جميع المستويات باستثناء منصب رئاسة الدولة فيشترط فيمن يتولاه أو يترشح له أن يكون مسلماً، ونرى أن للمرأة الحق في كافة الوظائف الإدارية في الدولة ما عدا رئاسة الدولة التي اتفق الفقهاء على عدم جواز توليها لها.
توسيع المشاركة في الشئون العامة أمام جميع المواطنين علي كافة المستويات الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية، لاستيعاب الجهود التطوعية، والمساهمة في مشاريع التنمية.
تبني سياسات عادلة لتوزيع الدخل القومي بشكل متوازن يمنع الاستغلال، ويوفر الأجر المناسب، ويقلل من سيطرة رأس المال ويحول دون قيام التكتلات الاحتكارية.
تمكين المرأة من كافة حقوقها وتكون ممارسة هذه الحقوق بما لا يتعارض مع القيم الأساسية للمجتمع.
سابعاً: الانتخابات الحرة النزيهة
إن الانتخابات الدورية النزيهة هي وسيلة للتعبير عن الإرادة الشعبية لتداول السلطة، والقضاء علي الاستبداد، ولذا يجب وضع معايير فعالة تقضي علي العيوب المزمنة في الانتخابات التي شهدت انحرافا وتزويرا للإرادة الشعبية وأبعدتها عن عملية تشكيل السلطة السياسية.
وتتطلب الانتخابات الحرة ضمان ما يلي :
تولي لجنة قضائية مستقلة غير قابلة للعزل الإشراف الكامل علي إدارة الانتخابات والاستفتاءات بمجرد صدور قرار دعوة الناخبين، وتخضع لها كافة الأجهزة التنفيذية والمحلية والأمنية التي تتصل أعمالها بالانتخابات، بحيث تشمل مرحلة الترشيح والتصويت والفرز وإعلان النتائج.
إلغاء جداول القيد الحالية والتي لا تعبر بأي صورة من الصور عن الشعب المصري، وإعادة الجداول طبقا للرقم القومي.
إدلاء الناخبين بأصواتهم طبقا للرقم القومي، مع توقيع الناخب في كشوف الانتخابات أمام اسمه بإمضائه أو بصمته.
فرض عقوبات صارمة علي التزوير أو التلاعب أو التدخل في الانتخابات تصل إلى الأشغال الشاقة بالنسبة للموظف العام، واعتبارها جريمة لا تسقط بالتقادم.
وضع ضوابط دقيقة للإنفاق المالي في الانتخابات.
كف يد السلطات الأمنية عن التدخل في أي خطوة من خطوات العملية الانتخابية وقصر دورها علي حفظ الأمن ومنع الاحتكاك بين أنصار المرشحين.
تقوم سياسات الأمن القومي والعلاقات الخارجية علي بناء وتطوير القوة الشاملة للدولة في النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والثقافية، بما يؤهلها للقيام بأدوار فاعلة علي المستويين الإقليمي والدولي، وفق هويتنا الحضارية الإسلامية، و باستجابة لما تفرضه التطورات الدولية من تحديات، وحماية للمصالح الوطنية في نطاق مصالح الأمة العربية والإسلامية.
أولاًَ: الأمن القومي
يقصد بالأمن القومي تلك المجموعة من السياسات الإستراتيجية والوقائية التي تعبر عن إرادة الدولة بهدف الحفاظ علي كيانها ونظامها السياسي ومصالحها وقيمها الوطنية، وأمن الشعب ورفاهيته، ومع الحفاظ علي الذات و الهوية الحضارية من دون انغلاق، وبدون التضحية بها لاعتبارات نفعية تحت التذرع بالمصالح الوطنية لأن هذه المصالح تفقد مشروعيتها وقيمها الإصلاحية، إذا لم تنعكس في شكل مصالح وسلوكيات داخلية وخارجية، وتغطي هذه السياسات المنطقة العربية، والعالم الإسلامي، ومنطقة القرن الإفريقي ووسط أفريقيا.
أ) التحديات التي تواجه الأمن القومي المصري:
تتضافر التحديات الداخلية مع التحديات الخارجية علي نحو يبرز ما أضحت عليه خصوصية معضلة الأمن القومي المصري حيث أن التحديات الداخلية تزيد من عواقب ومخاطر وتهديد التحديات الخارجية، وخاصة ولم تعد الأخيرة تقتصر علي الأنماط التقليدية ( العسكرية المباشرة).
1) التحديات الداخلية:
تزايد الاستبداد والفساد وانتهاك الحقوق والحريات السياسية والمدنية، وضعف التماسك الاجتماعي، وتزايد أزمة الهوية مما يهدد الأمن والاستقرار السياسي الداخلي.
اتساع الفجوة الغذائية، وزيادة الفقر والبطالة، والاعتماد علي الخارج في الصناعات الإستراتيجية، والموارد الغذائية الرئيسية مثل؛ القمح، وضعف القدرة الصناعية والتكنولوجية، مما يهدد الأمن الاقتصادي الداخلي.
2) التحديات الخارجية :
امتلاك "الكيان الصهيوني" المغتصب لأرض فلسطين لأسلحة الدمار الشامل، يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري، ومع استمرار الاحتلال للأراضي الفلسطينية والعربية، وتزايد العدوان علي الشعب الفلسطيني يتزايد خطر التهديد وعواقبه في هذا المجال فإننا نؤكد على موقفنا الثابت من هذا الكيان المغتصب ونعتبر أرض فلسطين كلها أرضاً إسلامية مقدسة وبها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومقصد المسلمين والمسيحيين وبها أيضاً كنيسة القيامة وهذه الأرض المقدسة كانت أرض الأنبياء ومهبط الوحي ويجب على الأمة أن تعمل على تحرير كل الأرض الفلسطينية وأن يعود اللاجئون إلى وطنهم فلسطين وأن يقيم الفلسطينيون دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس التي تتسع لكافة أصحاب الأديان طبقاً للتساوي في حقوق المواطنة وعملاً بالقاعدة الشرعية لهم ما لنا وعليهم ما علينا.
المشروعات والخطط الأمريكية المتتالية للشرق الأوسط - الكبير، والموسع والجديد-، وما تطرحه من الحروب الاستباقية، والتدخل في الشئون الداخلية للدول، باستخدام أدوات القوة المرنة، وباستغلال ورقة حقوق الإنسان، وخاصة حقوق الأقليات والمرأة، وإصلاح التعليم والخطاب الديني.
تمركز القوات الأجنبية في مناطق؛ الخليج العربي، ومدخل البحر الأحمر، والعراق، ولبنان، يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري وانتهاكا للأمن العربي وتهديدا لأمن دول الجوار الإسلامية.
التدخلات الخارجية باستغلال أوراق الاختلافات المذهبية والقومية والدينية يكون له آثار سلبية علي الداخل المصري، وعلي العلاقات مع الجوار العربي والإسلامي والإفريقي.
تزايد الصراعات الداخلية في السودان ومنطقتي القرن الإفريقي، والبحيرات العظمى، وتزايد التدخلات الخارجية فيها يعد مصدر تهديد إستراتيجي يؤثر علي استقرار دول الجوار الإقليمي وعلي أمن الموارد المائية من النيل.
ومواجهة هذه التحديات يتطلب مجموعة من السياسات المتساندة تعمل علي تحقيق التماسك الداخلي في المجتمع، وإعادة بناء قوة الدولة الشاملة من ناحية، والتعامل بكفاءة مع التحديات الخارجية من ناحية أخري، انطلاقا من رؤية كلية عن أهداف السياسة الخارجية المصرية تحقيقا للأمن المصري والعربي والإسلامي.
ب) أهداف سياسة الأمن القومي:
العمل علي تقوية الجبهة الداخلية وضمان ثباتها وترابطها بما يؤهلها للصمود أمام التهديدات الداخلية والخارجية وذلك بإرساء مبدأ المواطنة وإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تهدف إلى تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والاقتصادية، اللازمين للتطوير، بما يحقق تلبية الاحتياجات المحلية، والتنمية الشاملة وتقوية العلاقات والروابط الاقتصادية الخارجية.
توزيع السكان ومشروعات التنمية بما يضمن إعادة توزيع الكثافة السكانية والعمرانية في مصر بصفة عامة وفي سيناء بصفة خاصة.
اتخاذ كافة الإجراءات والاحتياطات اللازمة لتأمين منابع النيل وضمان استمرار سريانه إلى الأراضي المصرية.
العمل علي تطوير التقنيات والصناعات الإستراتيجية، كقاعدة للصناعات العسكرية، والتنموية وتطوير مصادر الطاقة البديلة ومنها الطاقة النووية، لتلبية الاحتياجات التنموية، وكمصدر من مصادر المكانة العلمية والعالمية.
توظيف الإمكانات الثقافية الحضارية لمصر لتدعيم وتفعيل علاقاتها مع دوائر انتمائها الحضارية العربية والإفريقية والإسلامية.
دعم القوات المسلحة المصرية علي مستوي عنصري قوتها البشرية والتسليحية بما يضمن قيام جيش وطني قوي قادر علي الردع والحماية في ظل اقتصاد قوي يوفر عناصر القوي الأخرى.
بذل كافة الجهود للوصول إلى حل جذري وعادل للقضية الفلسطينية، يضمن لجميع الفلسطينيين داخل وخارج الأرض المحتلة حقهم في إقامة دولتهم وعاصمتها القدس علي كامل تراب فلسطين التاريخية.
تحسين وتقوية شبكة علاقات تكاملية مع الدول العربية و الإسلامية ودول الجوار الإقليمي ، وإحياء كل صور التعاون من أجل تفعيل حماية المصالح المصرية في امتداداتها المختلفة، وذلك لأن دروس التاريخ تؤكد أن الأمن القومي المصري يبدأ دائما في محيطها الإقليمي والعربي والإسلامي، ولا يبدأ عند حدودها فقط. ونري كذلك أن الوحدة العربية والإسلامية من شروط الأمن القومي، ومن أهم الأدوار الريادية التاريخية لمصر.
تدعيم شبكة العلاقات مع القوي الكبرى الصاعدة والمتجددة لموازنة الاعتماد علي القوي الغربية.
إقامة نسق من العلاقات الدولية مع كافة دول العالم، قائم علي ندية الوجود و استقلالية الإدارة والمصلحة المتبادلة.
ثانياً : السياسة الخارجية، المبادئ والأسس
تعكس السياسة الخارجية توجه الدولة ومشروعات إستراتيجيتها التي تحدد علاقاتها مع الشخصيات الاعتبارية الدولية الأخرى، وذلك بما يحقق سيادتها وفق القوانين والأعراف الدولية، وأولوية دوائر الانتماء الحضاري.
أن مبدأ العلاقات السلمية مع الدول والشعوب الأخرى، ومؤسسات النظام الدولي، يعزز الاعتماد المتبادل والعلاقات المتكافئة، والتعايش السلمي، ويضمن قيام العلاقات الخارجية علي أساس من الأخوة الإنسانية، ويحقق قيم العدل، وعدم الاعتداء التي أرست قواعدها الشريعة الإسلامية. والتي تقر أيضا بأن العلاقات الخارجية تقوم على التكامل الحضاري كمبدأ لتحقيق التنمية والعمران، كما تقوم علي التعاون بين الحكومات وبين الشعوب المختلفة.
وإن المبادئ والنظم التي وضعتها الجماعة الدولية لحل وتسوية الصراعات بين الدول، وخاصة ما يتعلق باتفاقيات عدم الاعتداء، وعدم الاعتداد بآثار الحرب غير الشرعية، واتفاقية جنيف لحماية المدنيين والأسري أثناء الحرب، وغيرها من الضمانات التي تجرم العدوان ونتائجه، وهذه المبادئ و الأصول يحققها وتدعو إليها الشريعة الإسلامية وهناك ضرورة لأن تجد هذه المبادئ طريقها للتطبيق العادل والمتوازن، بما لا يميز بين دولة وأخرى، أو شعب وآخر.
وفي إطار ما تقدم فإن أهم مبادئ وأسس السياسة الخارجية هي:
أ- الهوية الحضارية الإسلامية والعلاقات الإنسانية :
هناك ضرورة لبناء نسق من العلاقات الدولية يسهل التواصل الإنساني، وذلك بين الشعوب بدعم الجهد الإنساني الساعي نحو التقدم والازدهار، والتطور المعرفي في العلوم التطبيقية والتكنولوجية، ويكافح احتكار المعرفة وحبسها عن الشعوب الأخرى بما يضر بالمصلحة الإنسانية، لأن هذا الاحتكار يعد عمل لا أخلاقي.
كما أن سياسات فرض الليبرالية الجديدة باسم حرية السوق والديمقراطية، وكذلك التدخل في الشئون الداخلية باسم حماية حقوق الإنسان، هي من أوجه التعبير عن الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية، وهو ما يقوض الأساس السلمي للعلاقات الخارجية، ويزيد من مسافات التباعد بين الدول.
ب- العلاقات الإقليمية
يجب دعم كل من: الجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي والإتحاد الإفريقي، لتحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها هذه المنظمات وسعيا نحو تطوير العلاقات الاقتصادية، والعلاقات الثقافية، والتواصل بين شعوبها.
ويجب أن تضطلع المنظمات الأهلية بدور إقليمي يساعد المنظمات المذكورة في تحقيق أهدافها، من خلال المشاركة في برامج العمل ومشروعات التنمية، ومكافحة الجفاف والتصحر، والإغاثة الإنسانية، وحماية حقوق الإنسان وتشجيع التبادل الثقافي.
فيجب علي هذه المنظمات الإقليمية إتاحة فرص ملائمة للدور الشعبي، والمدني لأجل المساهمة في برامج عملها، لتوثيق الروابط بين الشعوب، وتوفير المساندة الفعالة لسياسة هذه المنظمات.
جـ- المعاهدات والاتفاقات الدولية
يحقق مبدأ احترام المعاهدات والاتفاقيات الدولية، الاستقرار في العلاقات بين الدول، كما يضع إطاراً قانونياً لتسوية الخلافات فيما بينها.
ويتيح القانون الدولي، وكذلك المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وسائل للتحقق من مدي التزام الأطراف بالمعاهدات، كما يتيح طرق مراجعتها إذا ما رأي أحد أطرافها أن ثمة غبن في المعاهدة يضر بموقفه أو وضعه الأمني، وهذه المراجعة للمعاهدات والاتفاقيات الثنائية، هي عملية مستقرة في المعاملات الدولية، وقد ينص عليها في بنود المعاهدات، وتعتبر إجراءً عادياً، ونرى أن اتفاقية كامب ديفيد قد تم توقيعها في ظروف لم تتوفر فيها ضمانات وتوازنات القوى وهي بذلك لم تعبر عن إرادة الأمة الرافضة لوجود الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين وقد مارست أمريكا ضغوطاً واستخدمت اغراءات عديدة لكي توقع عليها مصر ولم يتحقق - حتى بنصوصها الجائرة غير المقبولة من الأمة – من خلالها سلام ولا استقرار للمنطقة ولم يحصل الفلسطينيون على أي من الحقوق المنصوص عليها في هذه الاتفاقية التي رفضناها في حينها (عام 1979) ومازلنا نرفضها بموقفنا الثابت من القضية الفلسطينية، ونرى أن تعرض الاتفاقية على الأمة في استفتاء شعبي لتقرير موقف الدولة المصرية منها.
ويعد احترام العهود والمواثيق الخاصة بحقوق الإنسان في القانون الدولي، ضمانة مهمة لرعاية حقوق الإنسان وحمايته من التعذيب والتمييز، فيجب الالتزام بالاتفاقيات المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية، والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والعمل علي وضعها حيز التطبيق.
د - الموقف من سياسة الأمم المتحدة
لقد وظفت بعض القوي الدولية – وخاصة أمريكا - منظمة الأمم المتحدة في خدمة مصالحها، مما جعلها لا تحقق الأهداف التي أنشئت من أجلها، فقد استخدمت في إضفاء شرعية زائفة علي التدخلات الخارجية في شئون الدول والشعوب بالقوة العسكرية أو بغيرها من الأدوات. ولأجل تحقيق السلم الدولي، يجب إصلاح منظمة الأمم المتحدة بما يجعلها قادرة علي الالتزام فعلاً بما نصت عليه من مبادئ وبالحيدة والتوازن بين المصالح المتعارضة، علي أن تقوم الأمم المتحدة علي أسس الديمقراطية الدولية السليمة التي ننادي بها، دون نظريات حكم الأقوى، والتي جعلت الديمقراطية تخص الشئون الداخلية للدول، دون الشئون العامة للنظام الدولي.
الفصل الأول: الـــدولـــــــة
رسخ الإسلام نموذجاً للدولة تحققت فيه أركانها الأساسية وقواعدها، من مبادئ الاختيار والمسئولية والمحاسبة والتقاضي، واعتبرت قواعد أساسية لإدارة نظام الدولة، وتحقيق مبدأ الفصل الواضح بين السلطات دون أن تفقد عناصر تكامل أدوارها ووظائفها، وكان هذا الجانب واضحاً في الوظيفة القضائية التي قامت بدور مهم في الحد من هيمنة الحكام ومحاسبتهم، إلى جانب استقلال المجتمع، كما ساهم العلماء والفقهاء المستقلون عن سيطرة الحكام في زيادة رصيد الأمة العلمي والفقهي والحضاري.
ثم نشأت في الغرب دول قومية في مواجهة الكنيسة الكاثوليكية، ساهمت في وضع نظم جديدة لإدارة الدولة، والوصول بها إلى دولة المؤسسات، وقد صاحب الدولة القومية الأوربية نزعة توسعية لغزو بلدان أخرى، مما يهدد فكرة السيادة نفسها، ويتيح حرية التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدولة تحت أي ذريعة كانت.
وبعد ذلك نشأت دول قومية في العالم الإسلامي علي النسق الغربي، لم تصل إلى مرحلة الاستقرار والنضج، نتيجة خضوعها للتغريب، والتبعية والتجزئة، والفساد، والاستبداد والتخلف.
ويقوم منهجنا الإسلامي لإصلاح الدولة وفق الخصائص الآتية :
أ - دولة تقوم علي مبدأ المواطنة
مصر دولة لكل المواطنين الذين يتمتعون بجنسيتها وجميع المواطنين يتمتعون بحقوق وواجبات متساوية، يكفلها القانون وفق مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص.
ونعتبر المواطنة هي القاعدة التي تنطلق عنها المطالبة بالديمقراطية، ليس بغرض تداول السلطة فحسب، بل بغرض ممارسة الديمقراطية، المتجاهل لمبدأ الأغلبية.
ويجب أن تعزز النصوص القانونية معاملة كل المواطنين علي قدم المساواة دون تمييز، وعلي الدولة والمجتمع العمل علي ضمان قيام الأوضاع الاجتماعية اللازمة لتحقيق الإنصاف، وأن يمكن الأفراد من المشاركة بفاعلية في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم، وخاصة في القرارات السياسية.
ب - دولة دستورية
استقر بناء الدولة الدستورية علي دعامات ثلاث؛ السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية، والتي تعمل بشكل متمايز ومتكامل ومتضامن في آن واحد، باعتبار هذه الدعامات مانعاً من الاستبداد واحتكار السلطة والمقرر شرعاً هو سد ذرائع الفساد ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وإلي جانب ما يتيحه تعدد السلطات من توزيع للمسؤوليات والسلطة ومنع احتكارها من قبل أي قوة واحدة، ينبغي أن تشتمل كل سلطة من هذه السلطات علي كيانات مؤسسية ترسخ دعائم مستقرة وقواعد عمل واضحة وسياسات محددة، بشكل يعكس الشفافية والمشاركة، فهي أمور تعني أن تعددية السلطة هي الحافظة لمعادلة أن كل سلطة لابد أن ترتبط بالمسئولية، وكل مسئولية لابد أن تتلازم مع المساءلة.
وتقوم الدولة الدستورية علي السلطات التالية : ـ
السلطة التشريعية والتي تشكل من نواب منتخبين من الشعب بالاقتراع السري المباشر، ويتولون سن القوانين والرقابة علي السلطة التنفيذية.
السلطة التنفيذية وتتولاها الحكومة، وهي مسئولة أمام السلطة التشريعية.
السلطة القضائية ويتولاها قضاة يتمتعون بالاستقلال الكامل وهي تتولي تطبيق وتنفيذ الدستور والقوانين التي تسنها السلطة التشريعية.
ج - دولة تقوم علي الشورى
تعد الشورى مبدأ أساسيا تقوم عليه الدولة بكل أبعادها فهي ليست مجرد مبدأ سياسي يحكم أشكال العلاقات السياسية فحسب.. بل هي نمط سلوك ومنهج عام لإدارة مختلف جوانب الحياة في الدولة... بالإضافة إلى كونه قيمة إيمانية وخلقية توجه سلوك الأفراد وعلاقاتهم الاجتماعية، يتربي عليها الفرد والمجتمع والحكام لتصبح جزءاً من مكونات الشخصية الوطنية وأحد مقوماتها، ويصطبغ بها كل المواطنين.
والشورى التي نؤمن بها ونسعى إلى تحقيقها وتأسيس نظام الحكم عليها ليست قالباً جامداً ولكنها تعني إرساء مبدأ تداول السلطة وحق الشعب في تقرير شؤونه واختيار نوابه وحكامه ومراقبتهم ومحاسبتهم وضمان التزامهم في ما يصدر عنهم من قرارات أو تصرفات لتسيير الشئون العامة ً برأي الشعب مباشرة أو عن طريق نوابه حتى لا يستبد بالأمر فرد أو ينفرد به حزب أو تستأثر به فئة، وهي إلى جانب ذلك مصدراً لتحديد القواعد الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم ودستور الدولة.
إن عدم تحديد شكل معين للشورى مع القواعد الإسلامية المقررة لتحقيق مصلحة العباد والبلاد يوجب علينا أن نأخذ بأحسن ما وصلت إليه المجتمعات الإنسانية في ممارستها الديمقراطية في عصرنا الراهن من أشكال وقواعد وطرق إجرائية وفنية لتنظيم استخلاص الإجماع وتحسين ممارسة السلطة وضمان تداولها سلمياً وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية فيها وتفعيل المراقبة عليها.
د - دولة سيادة القانون
تعد سيادة القانون مبدءاً من مبادئ الدولة الدستورية العادلة، ولتعزيز هذا المبدأ وتجسيده في الواقع العملي لابد من:
ضمان المشاركة الحقيقية للمواطنين، عبر الهيئات التشريعية في تقديم مقترحات بالتشريعات والقوانين وإقرارها، وفي اختيار ممثليهم.
بسط وتعزيز سلطان القضاء وضمان استقلاله والعمل علي تنفيذ أحكامه.
ضمان خضوع سلطات الدولة للقانون، وانضباطها به، واحتكامها إليه، واعتبار كل تصرف يصدر عن السلطات العامة مخالفاً للدستور والقانون باطلاً يستوجب المساءلة، بل يجب أن يتضمن الدستور كل ما يؤكد علي عناصر الرقابة والمساءلة والمحاسبة.
هـ - دولة مدنية
الدولة الإسلامية هي دولة مدنية بالضرورة، لأن الوظائف فيها أساس توليها الكفاءة والخبرة الفنية المتخصصة والأدوار السياسية يقوم بها مواطنون منتخبون، تحقيقاً للإرادة الشعبية الحقيقية،والشعب مصدر السلطات، وصولاً لحفظ أمن المجتمع، إذ تنشأ علاقة بين السلطة والشعب تقوم علي التكامل والتكافل لتحقيق المصلحة العليا للمجتمع، وتعظيم المجال المشترك بينهما، فالشعب الناهض ليس بديلاً عن الدولة الشرعية الفاعلة ولا مزاحما لها، بل يعد مصدرا من مصادر قوة الدولة.
والدولة المتصفة بالشرعية والفاعلية أهم مصدر من مصادر قوة الشعب، بما تسمح به من قيام مؤسسات أهلية تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وبما تتيحه من مجالات وما ترسمه من خطط للنهوض والتقدم أمام المواطنين.
والدولة هي وكيل عن الأمة تقوم بكل ما لا تستطيع الأمة القيام به، وتقوم بالمهام المركزية مثل الدفاع والأمن والخارجية، وهي مسئولة عن التخطيط المركزي، وتوجيه القطاع الخاص والأهلي بسياسة الحوافز، كما أنها مسئولة عن مواجهة الأزمات والمشكلات الكبرى، وتعويض النقص في الخدمات والحاجيات الأساسية، وهي في كل هذا تعمل وفق تعاقدها الدستوري مع الأمة كوكيل لها، ومن خلال مراقبة السلطة التشريعية لأداء الدولة نيابة عن الأمة.
وللدولة وظائف دينية أساسية، فهي مسئولة عن حماية وحراسة الدين، والدولة الإسلامية يكون عليها حماية غير المسلم في عقيدته وعبادته ودور عبادته وغيرها، ويكون عليها حراسة الإسلام وحماية شئونه والتأكد من عدم وجود ما يعترض الممارسة الإسلامية من العبادة والدعوة والحج وغيرها. وتلك الوظائف الدينية تتمثل في رئيس الدولة أو رئيس الوزراء طبقا للنظام السياسي القائم. ولهذا نري أن رئيس الدولة أو رئيس الوزراء طبقا للنظام السياسي القائم عليه واجبات تتعارض مع عقيدة غير المسلم. مما يجعل غير المسلم معفي من القيام بهذه المهمة، طبقا للشريعة الإسلامية، والتي لا تلزم غير المسلم بواجب يتعارض مع عقيدته، كما أن قرار الحرب يمثل قرارا شرعيا، أي يجب أن يقوم علي المقاصد والأسس التي حددتها الشريعة الإسلامية، مما يجعل رئيس الدولة أو رئيس الوزراء طبقا للنظام السياسي القائم، إذا أتخذ بنفسه قرار الحرب مساءلا عن استيفاء الجانب الشرعي لقيام الحرب، وهو بهذا يكون عليه واجب شرعي يلتزم به.
و- دولة تحقق وحدة الأمة
تعمل الدولة المنشودة علي قيام وحدة الأمة العربية أولا ثم الأمة الإسلامية في ظل التكتلات الكبيرة والعولمة.فالأمة الإسلامية أمة واحدة، لأن الأخوة التي جمع الإسلام عليها القلوب أصل من أصول الإيمان لا يتم إلا بها ولا يتحقق إلا بوجودها، ولا يمنع ذلك حرية الرأي وبذل النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالدين النصيحة.ولقد جمع الإسلام في مجتمعه بين الإخوة الإنسانية و الإسلامية.
ولا تجوز الفرقة في الشئون الجوهرية الأساسية في الأمة الإسلامية والخلاف في الفروع لا يضر ولا يوجب بغضًا ولا خصومة.
ولأن الدولة وكيل عن الجماعة السياسية المصرية، لذا يكون عليها تحقيق آمال هذه الجماعة في الوحدة العربية ثم في الوحدة الإسلامية، والتي تمثل الانتماء الحضاري والديني، والذي جمع رابطة العقيدة مع رابطة الحضارة، وجعل كل مكونات أمتنا مع اختلاف الدين واللغة وغيرها، ينتمون لوعي جمعي يؤصل لوحدتهم. وللوحدة أشكال كثيرة، وكل ما صلح من تلك الأشكال هو هدف لنا، وكل عمليات الوحدة تتم تدريجيا، وهدفها النهائي الوصول لكيان مؤسسي جامع، في شكل إتحاد عربي ثم إتحاد إسلامي).
الفصل الثاني
النظــــام السيـــــاســـيإن المشروعية السياسية، تتطلب وصول المجتمع بكل فئاته لحالة التوافق الديمقراطي حول القضايا والمسائل الوطنية الكبرى، وخاصة قواعد إدارة النظام السياسي والنشاط السياسي ولن يتم ذلك إلا بتوفير مناخ الثقة المتبادل بين كل الفئات كشرط لتحسين الأداء داخل النظام السياسي والذي نرى أن يكون نظاماً رئاسياً - برلمانياً وذلك في ظل الواقع المصري الحالي والمناخ السائد على المستوى الإقليمي والدولي، ويمكن أن يتغير هذا الاختيار في المستقبل إذا ما تغير الواقع المحلي والمناخ الإقليمي والعالمي وطبقاً لإرادة الأمة وباختيارها الحر عبر آليات الديمقراطية الحقيقية، ويتطلب ذلك:
أولاً: توافر المناخ الملائم للتحول الديمقراطي وتعميق الشورى
أ – تعزيز آليات الديمقراطية ومبادئ الشورى
يتم ذلك في إطار مبادئ وقواعد أساسية تقوم علي :
توسيع قاعدة المشاركة السياسية لكل القوى، وإشراك كل الفئات وجميع الراغبين في المشاركة، وذلك من خلال استراتيجيه الدمج والإدخال بديلاً عن الإقصاء والاستبعاد واحترام قواعد المنافسة التي تتم من خلال آلية الانتخابات الدورية النزيهة لضمان استقرار العمل السياسي السلمي.
التوافق الديمقراطي حول القواعد الأساسية للنظام السياسي، والتي تمثل قاسماً مشتركاً بين كل القوي السياسية، والحفاظ علي المصالح الأساسية لكل فئات وشرائح المجتمع المصري
التوافق المجتمعي مقدم علي التنافس السياسي، والوصول إلى الحد الأدنى أو الحد الضروري من توافق أو إجماع الأمة علي نظامها السياسي ودستورها، مقدم علي التنافس القائم علي أغلبية ومعارضة، ونري أن دورنا الأساسي يقوم علي تجميع الأمة لتأسيس نظامها القائم علي الشورى والديمقراطية، وتحديد مبادئها الدستورية الأساسية، مما يمكن من قيام التنافس السياسي في ظل توافق مجتمعي صلب.
ب - ضمانات الحرية
الحرية كأصل إسلامي وتراث إنساني ركن أصيل في العلاقة التعاقدية بين المواطن أو مؤسسات المجتمع المختلفة من جهة، وبين السلطة الحاكمة من جهة أخرى، بما يوفر عدالةً تُساوي بين الأفراد، وتضمن حرياتهم في الاعتقاد، والتصرف والتملك، وإبداء الرأي والتعبير والتنقل و الاجتماع وتكوين الأحزاب والجمعيات و إصدار الصحف.
إن ضمان الحرية، وصيانة الحقوق للمواطن، وفئات المجتمع المختلفة، يتحملها النظام السياسي بكل مفرداته، من نظم ومؤسسات وإجراءات وتوجهات إدارية وعملية، ولا تقتصر الحرية علي الحريات الدينية والسياسية فحسب، ولكنها تشمل التحرر من كل أنواع وأشكال القهر والاستبداد، والنيل من الكرامة الإنسانية.
ولمنع استبداد السلطة يجب العمل على :
سن التشريعات والقوانين واللوائح الضامنة للحرية.
تفعيل نظام للتنشئة السياسية لكل أفراد المجتمع يجعلهم فاعلين ومشاركين في الحياة السياسية، مشاركة إيجابية وسلمية.
تطوير النظام التعليمي والثقافي والإعلامي لأجل تكوين المواطن الصالح الناضج والمؤهل للمشاركة السياسية الفعالة، والداعمة للتنمية المستدامة وهذه كلها تضمن؛ تعليم الحقوق والواجبات، وتنمية القدرات الفردية والجماعية، وبث قيم الحوار والمشاركة وتأصيل قواعد المسئولية والمساءلة.
تطوير نظام للتنشئة الاجتماعية يدعم احترام الدولة لقيم الشعب المصري وثوابته الأساسية، وخاصة الدينية بكل أطيافها، والتي تعلي من قيمة مدنية الدولة بين أفراد المجتمع.
العمل علي أن يعكس الدستور الهوية الجامعة للأمة بأبعادها الإسلامية و الحضارية والعربية ولا يكون متصادما معها، وهذا شرط أساسي لتوليد مناخ تعاقدي توافقي بين الأفراد والمجتمع والدولة.
جـ) منظمات المجتمع الأهلي ومؤسسات الشعب
تتمثل هذه المنظمات في الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية والاتحادات التجارية والصناعية والطلابية والجمعيات الأهلية وغيرها، وهي تمثل الرأي العام للمجتمع في التعبير عن مصالحه وإبداء رأيه في الشئون العامة ووجود هذه المنظمات المتعددة واستقلالها، يعد ضرورة لاستقرار النظام السياسي، وإقامة الديمقراطية، تضفي الحيوية علي الأنشطة الاجتماعية والثقافية والتربوية، ولذلك فإن تسهيل إنشاء هذه المنظمات واستقلالها ودعمها يعد من أولويات السياسات العامة.
ويعني استقلال هذه المنظمات، أن تكون قادرة وممكنة في إدارة شئونها الداخلية وفقاً لأهدافها المعلنة ونظامها الأساسي دون تدخل إداري من السلطة الحاكمة يعطل أعمالها ويقصي فاعليتها الحقيقية، شريطة عدم مصادمة أعمالها للقانون و حريات الآخرين والقيم الأساسية للمجتمع وقواعد النظام العام، وأن تتسم أعمالها بالشفافية وتوسيع قـاعدة المشاركة الطــوعية أمام المواطنين والإفصاح عن مصادر التمويل وطرق الإنفاق.
ثانياً: الفصل بين السلطات
سبق القول بأن الفصل بين السلطات من أسس النظام السياسي الدستوري الإسلامي. ولإحداث إصلاح حقيقي يجب مراعاة هذا المبدأ وهو يقوم علي :
أ- تحديد الاختصاصات :
تختص السلطة التشريعية بمجلسيها الشعب والشورى بعملية التشريع وسن القوانين والرقابة علي السلطة التنفيذية. ونهدف في برنامجنا إلى تعزيز هذه السلطة بضم كافة الأجهزة الرقابية المركزية لمجلس الشعب لتعظيم دوره الرقابي وضم المجالس القومية المتخصصة لمجلس الشورى لتعظيم دوره التشريعي في كافة القوانين والتشريعات وتعظيم دوره التخطيطي خاصة في ما يتعلق بالمشاريع والبرامج القومية. وتختص السلطة القضائية بإعمال سيادة القانون وحسن تطبيقه وإنفاذ أحكامه علي أفراد المجتمع والدولة وتختص السلطة التنفيذية بوضع الخطط التنفيذية وإدارة دولاب العمل الإداري في الدولة وإصدار القرارات اللازمة لتنفيذ القانون والمساعدة علي تنفيذ الأحكام القضائية.
إن ضبط نقاط التماس والتداخل بين السلطات آلية مهمة للحفاظ علي استقرار المجتمع وفعالية المؤسسات، لذا يجب البدء بإجراءات تصحيحية تضمن قيام كل سلطة باختصاصاتها، والتأكيد علي ضرورة التوازن والفصل بين السلطات كمبدأ دستوري، وتعزيزه بتشريعات مساندة في سياق عملية تحول سياسي تؤدي لتأسيس نظام نيابي برلماني فعال وقضاء مستقل استقلالاً كاملاً وحقيقياً.
ب- حياد جهاز الإدارة العامة:
كما يتضمن هيكل النظام السياسي نظاماً فعالاً للإدارة العامة الرشيدة، يقوم علي بُني مؤسسية مستقرة تتسم بمعايير الكفاءة والنزاهة والحياد، وذلك بطرح نظرة شاملة لإصلاح الجهاز الإداري في الدولة تؤهله للقيام بوظائفه التنموية، والخدمية بصورة أكثر كفاءة وحيادية بغض النظر عن تداول السلطة بين الأحزاب المختلفة. فمن المهم أن لا يكون الجهاز الإداري للدولة حزبيا وتابعا لنخبة بعينها، وأن لا يتم السيطرة علي الحكم من خلال السيطرة عليه، مما يجعل أجهزة الدولة طرفا في التنافس السياسي، ويفقدها وظيفتها الأساسية ويعرضها للفساد.
ولضمان كفاءة الجهاز الإداري وحياده، يجب أن تخضع الترقيات لقواعد موضوعية ثابتة ومستقرة، مع وضع نظام واضح للمساءلة والمحاسبة، وضمان نظام عادل للأجور والمكافآت يحد من الاستغلال السياسي والفساد المالي والإداري.
ولضمان عدالة جهاز الشرطة المركزي ونزاهته في التعامل مع الأفراد والمؤسسات فيجب أن يتبع هذا الجهاز لوزارة العدل لتتمكن من القيام بمهمتها الأساسية المنوطة بها وهي نشر العدل والأمن بين المواطنين بدلا من المهمة الحالية التي فرضها عليها النظام للتحكم في السلطة القضائية وتعطيل أدائها.
جـ - نظام الإدارة المحلية:
لتطوير الإدارة المحلية يتبني البرنامج نظام الحكم المحلي وليس مجرد الإدارة المحلية، بما يستتبعه من اللامركزية وتعميق الممارسة الديمقراطية الأمر الذي يستلزم الآتي :
اختيار المحافظ بالانتخاب الحر المباشر.
منح أعضاء المجالس الشعبية المحلية المنتخبة بمختلف مستوياتها وسائل الرقابة المختلفة كالسؤال وطلب الإحاطة والاستجواب وطلب المناقشة العامة وسحب الثقة وغيرها.
منح المجالس الشعبية المحلية المنتخبة حق اقتراح المراسيم المحلية وضبط الميزانيات المحلية في إطار القانون و الخطة العامة للدولة.
تبعية أجهزة الأمن علي مستوي المحافظة للمحافظ المنتخب وليس للإدارة المركزية.
د-المجتمع الأهلي والرأي العام:
يقوم المجتمع الأهلي بتوفير مظلة أمان لاستقرار النظام السياسي، وتعزيز دور المؤسسات، ويتجلي ذلك في سعي الرأي العام ممثلاً في الأحزاب السياسية، والنقابات المهنية والعمالية، والاتحادات التجارية والطلابية و الجمعيات الأهلية وغيرها من المؤسسات للتعبير عن مصالحه وإبداء رأيه في الشئون العامة، وحرية النشاط في مختلف مؤسسات المجتمع الأهلي، والتي هي مؤسسات الأمة، خاصة في النقابات واتحادات الطلاب غيرها، تمثل الأساس لترسيخ مفاهيم المشاركة، لذا لا يجوز السيطرة عليها من قبل الدولة أو من قبل السلطة الحاكمة. ونؤكد هنا أن مؤسسات الأمة الأهلية، هي أساس نشاط الأمة، ولا يجب خضوعها لجهة الإدارة، بل تخضع للقانون فقط. حتى يكون للأمة حريتها في تحديد توجهاتها المستقبلية والحضارية، وبهذا تقوم الأمة بدورها الأساسي ووظيفتها الأولى، وهي النهوض الحضاري.
ثالثاً: حرية تداول البيانات والمعلومات
إن إتاحة البيانات والمعلومات ضرورة لازمة لتفعيل المشاركة السياسية والمجتمعية وتحسين مناخ الاستثمار. ولتحقيق ذلك يجب إصدار قانون يتيح للأفراد الحق في الحصول عليها وذلك من خلال:
1. تدقيق وتصحيح البيانات الرسمية.
2. إتاحة البيانات المتوافرة لدي المؤسسات القومية للنشر العام.
3. تعزيز حرية الصحافة والنشر والتعبير عن الرأي.
4. الإفراج عن الوثائق المتعلقة بالأمن القومي التي يحددها القانون بعد مضي 25 عامًا.
رابعاً: المساءلة والمحاسبة
إن غياب المساءلة يفقد النظام السياسي حيويته، ويجعله غير قادر علي التحول نحو النضج المؤسسي، كما يقعده عن القيام بوظائفه الأساسية، باعتبار أن الإصلاح السياسي شرط ضروري لحدوث التنمية الاقتصادية، فلابد من تحسين المناخ السياسي لجذب الاستثمارات وتوفير فرص لنمو المشروعات، مع التركيز علي بناء سياسات لمكافحة الفساد. ويحتاج ذلك إلى:
إلغاء تبعية المؤسسات والهيئات الرقابية للسلطة التنفيذية وضمها للسلطة التشريعية متمثلة في مجلس الشعب،ونشر تقاريرها بحرية وشفافية تامة.
تعزيز دور السلطة القضائية في تثبيت سيادة القانون واحترام أحكام القضاء.
تفعيل دور الرأي العام في عملية الرقابة علي عمل المؤسسات، وذلك من خلال إعطاء حرية الصحافة والنشر أهمية في التشريعات القانونية، والتأكيد علي حرية التعبير للأفراد والجماعات.
إصدار قانون جديد لمحاكمة الوزراء.
خامساً: التعددية السياسية
التعددية السياسية تعكس اختلاف المصالح والاهتمامات والأولويات في المجتمع، وهذا الاختلاف يمكن التعبير عنه بواسطة الأحزاب السياسية، والتجمعات الاقتصادية والثقافية، والجمعيات الأهلية والنقابات المهنية والعمالية بما يحقق الدفاع عن مصالح الأطراف المتنوعة، ولتحقيق هذه التعددية يجب العمل علي :
إنهاء هيمنة واحتكار الحزب الحاكم للسلطة ومنع استخدامه لموارد ومؤسسات الدولة وخاصة الأمنية لتحقيق مصالحه.
إطلاق حرية تكوين الأحزاب دون تدخل من السلطة التنفيذية،وأن تنشأ الأحزاب بمجرد الإخطار، وذلك بشرط عدم وجود تشكيلات عسكرية لها وألا تتضمن برامجها أي تمييز بين المواطنين.
إتاحة فرص أوسع لنشر ثقافة التعددية الحزبية، علي المستوي الوطني.
تقوية دور الجمعيات الأهلية والنقابات المهنية والعمالية وكافة مؤسسات العمل الأهلي وذلك بإتباع سياسات تضمن إزالة القيود علي إنشائها، و نشاطها في ظل الحفاظ علي سلطة الرقابة المالية علي الموارد والنفقات لها.
سادساً: المساواة وتكافؤ الفرص
يعد مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص ضرورياً لتحقيق العدالة و تعميق الانتماء للوطن ويتحقق ذلك عن طريق :
عدم التمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات علي أساس الدين أو الجنس أو اللون كحق التملك والتنقل والتعلم والعمل وممارسة العمل السياسي والتعبير عن الرأي – في ظل الحفاظ على القيم الأساسية للمجتمع-والترشح للمجالس المحلية والنيابية وتولي كافة الوظائف القضائية والتنفيذية، في كل المجالات وعلى جميع المستويات باستثناء منصب رئاسة الدولة فيشترط فيمن يتولاه أو يترشح له أن يكون مسلماً، ونرى أن للمرأة الحق في كافة الوظائف الإدارية في الدولة ما عدا رئاسة الدولة التي اتفق الفقهاء على عدم جواز توليها لها.
توسيع المشاركة في الشئون العامة أمام جميع المواطنين علي كافة المستويات الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية، لاستيعاب الجهود التطوعية، والمساهمة في مشاريع التنمية.
تبني سياسات عادلة لتوزيع الدخل القومي بشكل متوازن يمنع الاستغلال، ويوفر الأجر المناسب، ويقلل من سيطرة رأس المال ويحول دون قيام التكتلات الاحتكارية.
تمكين المرأة من كافة حقوقها وتكون ممارسة هذه الحقوق بما لا يتعارض مع القيم الأساسية للمجتمع.
سابعاً: الانتخابات الحرة النزيهة
إن الانتخابات الدورية النزيهة هي وسيلة للتعبير عن الإرادة الشعبية لتداول السلطة، والقضاء علي الاستبداد، ولذا يجب وضع معايير فعالة تقضي علي العيوب المزمنة في الانتخابات التي شهدت انحرافا وتزويرا للإرادة الشعبية وأبعدتها عن عملية تشكيل السلطة السياسية.
وتتطلب الانتخابات الحرة ضمان ما يلي :
تولي لجنة قضائية مستقلة غير قابلة للعزل الإشراف الكامل علي إدارة الانتخابات والاستفتاءات بمجرد صدور قرار دعوة الناخبين، وتخضع لها كافة الأجهزة التنفيذية والمحلية والأمنية التي تتصل أعمالها بالانتخابات، بحيث تشمل مرحلة الترشيح والتصويت والفرز وإعلان النتائج.
إلغاء جداول القيد الحالية والتي لا تعبر بأي صورة من الصور عن الشعب المصري، وإعادة الجداول طبقا للرقم القومي.
إدلاء الناخبين بأصواتهم طبقا للرقم القومي، مع توقيع الناخب في كشوف الانتخابات أمام اسمه بإمضائه أو بصمته.
فرض عقوبات صارمة علي التزوير أو التلاعب أو التدخل في الانتخابات تصل إلى الأشغال الشاقة بالنسبة للموظف العام، واعتبارها جريمة لا تسقط بالتقادم.
وضع ضوابط دقيقة للإنفاق المالي في الانتخابات.
كف يد السلطات الأمنية عن التدخل في أي خطوة من خطوات العملية الانتخابية وقصر دورها علي حفظ الأمن ومنع الاحتكاك بين أنصار المرشحين.
الفصل الثالث
الأمن القومي والسياسة الخارجيةتقوم سياسات الأمن القومي والعلاقات الخارجية علي بناء وتطوير القوة الشاملة للدولة في النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والثقافية، بما يؤهلها للقيام بأدوار فاعلة علي المستويين الإقليمي والدولي، وفق هويتنا الحضارية الإسلامية، و باستجابة لما تفرضه التطورات الدولية من تحديات، وحماية للمصالح الوطنية في نطاق مصالح الأمة العربية والإسلامية.
أولاًَ: الأمن القومي
يقصد بالأمن القومي تلك المجموعة من السياسات الإستراتيجية والوقائية التي تعبر عن إرادة الدولة بهدف الحفاظ علي كيانها ونظامها السياسي ومصالحها وقيمها الوطنية، وأمن الشعب ورفاهيته، ومع الحفاظ علي الذات و الهوية الحضارية من دون انغلاق، وبدون التضحية بها لاعتبارات نفعية تحت التذرع بالمصالح الوطنية لأن هذه المصالح تفقد مشروعيتها وقيمها الإصلاحية، إذا لم تنعكس في شكل مصالح وسلوكيات داخلية وخارجية، وتغطي هذه السياسات المنطقة العربية، والعالم الإسلامي، ومنطقة القرن الإفريقي ووسط أفريقيا.
أ) التحديات التي تواجه الأمن القومي المصري:
تتضافر التحديات الداخلية مع التحديات الخارجية علي نحو يبرز ما أضحت عليه خصوصية معضلة الأمن القومي المصري حيث أن التحديات الداخلية تزيد من عواقب ومخاطر وتهديد التحديات الخارجية، وخاصة ولم تعد الأخيرة تقتصر علي الأنماط التقليدية ( العسكرية المباشرة).
1) التحديات الداخلية:
تزايد الاستبداد والفساد وانتهاك الحقوق والحريات السياسية والمدنية، وضعف التماسك الاجتماعي، وتزايد أزمة الهوية مما يهدد الأمن والاستقرار السياسي الداخلي.
اتساع الفجوة الغذائية، وزيادة الفقر والبطالة، والاعتماد علي الخارج في الصناعات الإستراتيجية، والموارد الغذائية الرئيسية مثل؛ القمح، وضعف القدرة الصناعية والتكنولوجية، مما يهدد الأمن الاقتصادي الداخلي.
2) التحديات الخارجية :
امتلاك "الكيان الصهيوني" المغتصب لأرض فلسطين لأسلحة الدمار الشامل، يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري، ومع استمرار الاحتلال للأراضي الفلسطينية والعربية، وتزايد العدوان علي الشعب الفلسطيني يتزايد خطر التهديد وعواقبه في هذا المجال فإننا نؤكد على موقفنا الثابت من هذا الكيان المغتصب ونعتبر أرض فلسطين كلها أرضاً إسلامية مقدسة وبها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومقصد المسلمين والمسيحيين وبها أيضاً كنيسة القيامة وهذه الأرض المقدسة كانت أرض الأنبياء ومهبط الوحي ويجب على الأمة أن تعمل على تحرير كل الأرض الفلسطينية وأن يعود اللاجئون إلى وطنهم فلسطين وأن يقيم الفلسطينيون دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس التي تتسع لكافة أصحاب الأديان طبقاً للتساوي في حقوق المواطنة وعملاً بالقاعدة الشرعية لهم ما لنا وعليهم ما علينا.
المشروعات والخطط الأمريكية المتتالية للشرق الأوسط - الكبير، والموسع والجديد-، وما تطرحه من الحروب الاستباقية، والتدخل في الشئون الداخلية للدول، باستخدام أدوات القوة المرنة، وباستغلال ورقة حقوق الإنسان، وخاصة حقوق الأقليات والمرأة، وإصلاح التعليم والخطاب الديني.
تمركز القوات الأجنبية في مناطق؛ الخليج العربي، ومدخل البحر الأحمر، والعراق، ولبنان، يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري وانتهاكا للأمن العربي وتهديدا لأمن دول الجوار الإسلامية.
التدخلات الخارجية باستغلال أوراق الاختلافات المذهبية والقومية والدينية يكون له آثار سلبية علي الداخل المصري، وعلي العلاقات مع الجوار العربي والإسلامي والإفريقي.
تزايد الصراعات الداخلية في السودان ومنطقتي القرن الإفريقي، والبحيرات العظمى، وتزايد التدخلات الخارجية فيها يعد مصدر تهديد إستراتيجي يؤثر علي استقرار دول الجوار الإقليمي وعلي أمن الموارد المائية من النيل.
ومواجهة هذه التحديات يتطلب مجموعة من السياسات المتساندة تعمل علي تحقيق التماسك الداخلي في المجتمع، وإعادة بناء قوة الدولة الشاملة من ناحية، والتعامل بكفاءة مع التحديات الخارجية من ناحية أخري، انطلاقا من رؤية كلية عن أهداف السياسة الخارجية المصرية تحقيقا للأمن المصري والعربي والإسلامي.
ب) أهداف سياسة الأمن القومي:
العمل علي تقوية الجبهة الداخلية وضمان ثباتها وترابطها بما يؤهلها للصمود أمام التهديدات الداخلية والخارجية وذلك بإرساء مبدأ المواطنة وإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تهدف إلى تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والاقتصادية، اللازمين للتطوير، بما يحقق تلبية الاحتياجات المحلية، والتنمية الشاملة وتقوية العلاقات والروابط الاقتصادية الخارجية.
توزيع السكان ومشروعات التنمية بما يضمن إعادة توزيع الكثافة السكانية والعمرانية في مصر بصفة عامة وفي سيناء بصفة خاصة.
اتخاذ كافة الإجراءات والاحتياطات اللازمة لتأمين منابع النيل وضمان استمرار سريانه إلى الأراضي المصرية.
العمل علي تطوير التقنيات والصناعات الإستراتيجية، كقاعدة للصناعات العسكرية، والتنموية وتطوير مصادر الطاقة البديلة ومنها الطاقة النووية، لتلبية الاحتياجات التنموية، وكمصدر من مصادر المكانة العلمية والعالمية.
توظيف الإمكانات الثقافية الحضارية لمصر لتدعيم وتفعيل علاقاتها مع دوائر انتمائها الحضارية العربية والإفريقية والإسلامية.
دعم القوات المسلحة المصرية علي مستوي عنصري قوتها البشرية والتسليحية بما يضمن قيام جيش وطني قوي قادر علي الردع والحماية في ظل اقتصاد قوي يوفر عناصر القوي الأخرى.
بذل كافة الجهود للوصول إلى حل جذري وعادل للقضية الفلسطينية، يضمن لجميع الفلسطينيين داخل وخارج الأرض المحتلة حقهم في إقامة دولتهم وعاصمتها القدس علي كامل تراب فلسطين التاريخية.
تحسين وتقوية شبكة علاقات تكاملية مع الدول العربية و الإسلامية ودول الجوار الإقليمي ، وإحياء كل صور التعاون من أجل تفعيل حماية المصالح المصرية في امتداداتها المختلفة، وذلك لأن دروس التاريخ تؤكد أن الأمن القومي المصري يبدأ دائما في محيطها الإقليمي والعربي والإسلامي، ولا يبدأ عند حدودها فقط. ونري كذلك أن الوحدة العربية والإسلامية من شروط الأمن القومي، ومن أهم الأدوار الريادية التاريخية لمصر.
تدعيم شبكة العلاقات مع القوي الكبرى الصاعدة والمتجددة لموازنة الاعتماد علي القوي الغربية.
إقامة نسق من العلاقات الدولية مع كافة دول العالم، قائم علي ندية الوجود و استقلالية الإدارة والمصلحة المتبادلة.
ثانياً : السياسة الخارجية، المبادئ والأسس
تعكس السياسة الخارجية توجه الدولة ومشروعات إستراتيجيتها التي تحدد علاقاتها مع الشخصيات الاعتبارية الدولية الأخرى، وذلك بما يحقق سيادتها وفق القوانين والأعراف الدولية، وأولوية دوائر الانتماء الحضاري.
أن مبدأ العلاقات السلمية مع الدول والشعوب الأخرى، ومؤسسات النظام الدولي، يعزز الاعتماد المتبادل والعلاقات المتكافئة، والتعايش السلمي، ويضمن قيام العلاقات الخارجية علي أساس من الأخوة الإنسانية، ويحقق قيم العدل، وعدم الاعتداء التي أرست قواعدها الشريعة الإسلامية. والتي تقر أيضا بأن العلاقات الخارجية تقوم على التكامل الحضاري كمبدأ لتحقيق التنمية والعمران، كما تقوم علي التعاون بين الحكومات وبين الشعوب المختلفة.
وإن المبادئ والنظم التي وضعتها الجماعة الدولية لحل وتسوية الصراعات بين الدول، وخاصة ما يتعلق باتفاقيات عدم الاعتداء، وعدم الاعتداد بآثار الحرب غير الشرعية، واتفاقية جنيف لحماية المدنيين والأسري أثناء الحرب، وغيرها من الضمانات التي تجرم العدوان ونتائجه، وهذه المبادئ و الأصول يحققها وتدعو إليها الشريعة الإسلامية وهناك ضرورة لأن تجد هذه المبادئ طريقها للتطبيق العادل والمتوازن، بما لا يميز بين دولة وأخرى، أو شعب وآخر.
وفي إطار ما تقدم فإن أهم مبادئ وأسس السياسة الخارجية هي:
أ- الهوية الحضارية الإسلامية والعلاقات الإنسانية :
هناك ضرورة لبناء نسق من العلاقات الدولية يسهل التواصل الإنساني، وذلك بين الشعوب بدعم الجهد الإنساني الساعي نحو التقدم والازدهار، والتطور المعرفي في العلوم التطبيقية والتكنولوجية، ويكافح احتكار المعرفة وحبسها عن الشعوب الأخرى بما يضر بالمصلحة الإنسانية، لأن هذا الاحتكار يعد عمل لا أخلاقي.
كما أن سياسات فرض الليبرالية الجديدة باسم حرية السوق والديمقراطية، وكذلك التدخل في الشئون الداخلية باسم حماية حقوق الإنسان، هي من أوجه التعبير عن الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية، وهو ما يقوض الأساس السلمي للعلاقات الخارجية، ويزيد من مسافات التباعد بين الدول.
ب- العلاقات الإقليمية
يجب دعم كل من: الجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي والإتحاد الإفريقي، لتحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها هذه المنظمات وسعيا نحو تطوير العلاقات الاقتصادية، والعلاقات الثقافية، والتواصل بين شعوبها.
ويجب أن تضطلع المنظمات الأهلية بدور إقليمي يساعد المنظمات المذكورة في تحقيق أهدافها، من خلال المشاركة في برامج العمل ومشروعات التنمية، ومكافحة الجفاف والتصحر، والإغاثة الإنسانية، وحماية حقوق الإنسان وتشجيع التبادل الثقافي.
فيجب علي هذه المنظمات الإقليمية إتاحة فرص ملائمة للدور الشعبي، والمدني لأجل المساهمة في برامج عملها، لتوثيق الروابط بين الشعوب، وتوفير المساندة الفعالة لسياسة هذه المنظمات.
جـ- المعاهدات والاتفاقات الدولية
يحقق مبدأ احترام المعاهدات والاتفاقيات الدولية، الاستقرار في العلاقات بين الدول، كما يضع إطاراً قانونياً لتسوية الخلافات فيما بينها.
ويتيح القانون الدولي، وكذلك المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وسائل للتحقق من مدي التزام الأطراف بالمعاهدات، كما يتيح طرق مراجعتها إذا ما رأي أحد أطرافها أن ثمة غبن في المعاهدة يضر بموقفه أو وضعه الأمني، وهذه المراجعة للمعاهدات والاتفاقيات الثنائية، هي عملية مستقرة في المعاملات الدولية، وقد ينص عليها في بنود المعاهدات، وتعتبر إجراءً عادياً، ونرى أن اتفاقية كامب ديفيد قد تم توقيعها في ظروف لم تتوفر فيها ضمانات وتوازنات القوى وهي بذلك لم تعبر عن إرادة الأمة الرافضة لوجود الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين وقد مارست أمريكا ضغوطاً واستخدمت اغراءات عديدة لكي توقع عليها مصر ولم يتحقق - حتى بنصوصها الجائرة غير المقبولة من الأمة – من خلالها سلام ولا استقرار للمنطقة ولم يحصل الفلسطينيون على أي من الحقوق المنصوص عليها في هذه الاتفاقية التي رفضناها في حينها (عام 1979) ومازلنا نرفضها بموقفنا الثابت من القضية الفلسطينية، ونرى أن تعرض الاتفاقية على الأمة في استفتاء شعبي لتقرير موقف الدولة المصرية منها.
ويعد احترام العهود والمواثيق الخاصة بحقوق الإنسان في القانون الدولي، ضمانة مهمة لرعاية حقوق الإنسان وحمايته من التعذيب والتمييز، فيجب الالتزام بالاتفاقيات المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية، والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والعمل علي وضعها حيز التطبيق.
د - الموقف من سياسة الأمم المتحدة
لقد وظفت بعض القوي الدولية – وخاصة أمريكا - منظمة الأمم المتحدة في خدمة مصالحها، مما جعلها لا تحقق الأهداف التي أنشئت من أجلها، فقد استخدمت في إضفاء شرعية زائفة علي التدخلات الخارجية في شئون الدول والشعوب بالقوة العسكرية أو بغيرها من الأدوات. ولأجل تحقيق السلم الدولي، يجب إصلاح منظمة الأمم المتحدة بما يجعلها قادرة علي الالتزام فعلاً بما نصت عليه من مبادئ وبالحيدة والتوازن بين المصالح المتعارضة، علي أن تقوم الأمم المتحدة علي أسس الديمقراطية الدولية السليمة التي ننادي بها، دون نظريات حكم الأقوى، والتي جعلت الديمقراطية تخص الشئون الداخلية للدول، دون الشئون العامة للنظام الدولي.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق