- بلادى توداى
- 2:49 ص
- تحليلات هامة
- لا توجد تعليقات
ورود الحق ـ الشعب :ـ
اليوم تعلن النتيجة النهائية للمرحلة الأخيرة من انتخابات مجلس الشعب، وهى ستؤكد النتائج السابقة وهى حصول الإسلاميين على قرابة ثلثى المجلس، وبذلك تم الإعلان عن بداية مرحلة جديدة من حياة مصر. وقد توقعنا ذلك فى كتابات وتصريحات عديدة، أما الذين فوجئوا فقد بدأوا يفيقون من الصدمة ويتعاملون مع الوقائع الجديدة بصورة أكثر واقعية.
وذكرت من قبل أننا أمام تحول تاريخى جرى بصورة متصاعدة على مدار ثلاثة عقود. وهو عودة الأمة إلى أصلها الحضارى التاريخى بعد أن خرجت عن مسارها قسرا بالاحتلال الأجنبى الغربى وما أعقبه من نظم وطنية واصلت العمل فى إطار المرجعية الغربية وفشلت فشلا ذريعا فى نهاية المطاف.
نحن أمام حقيقة تاريخية راسخة ولسنا أمام نتيجة انتخابات ما ! والعسكريون أكثر الأطراف إدراكا لهذه الحقيقة ويتعاملون معها بواقعية، ويمكن القول بوجود تحالف عسكرى إسلامى، وقد دخلنا مرحلة هذا عنوانها، أى مزيج من نفوذ الإسلاميين والمؤسسة العسكرية، ولهذه المرحلة خصائصها ومخاطرها ومزالقها بالنسبة للوطن وهو الذى يعنينا فى المحل الأول والأخير.
قال مفكر أوروبى فى القرن التاسع عشر عن فرنسا إنها البلد الذى خيضت فيه الصراعات حتى نهايتها، وقد كان ذلك صحيحا فى ذلك القرن، ولكن هذه القاعدة لا تنطبق على مصر عبر التاريخ. وإن كانت ثورة 25 يناير قد أطاحت بالأفكار الشاذة عن أن شعب مصر لا يثور والتى جاهدت لإنكارها فى العديد من الكتابات قبل الثورة، إلا أن التغييرات المصاحبة للثورات اتسمت فى مصر بالتدرج وعدم التصفية الحاسمة والسريعة مع بقايا العهد السابق.
وهذه الخاصية ظهرت فى الثورات الثلاث الأخيرة: ثورة 1919 التى لم تقض على الملكية ولم تحقق حياة نيابية ودستورية مستقرة، وثورة 1952 التى ظلت لسنوات تعتمد على بقايا النظام السابق، واستبعدت القوى الشعبية والوطنية من بناء النظام الجديد، وثورة 2011 التى ما تزال فى قبضة العسكر الذين لم يشاركوا فيها.
وقد أخطأ العسكر فى حق أنفسهم بسلسلة الجرائم والأخطاء التى تورطوا فيها خلال السنة الماضية التى وصلت إلى حد قتل العشرات وسحل وتعذيب وإصابة واعتقال الالاف مع استمرار حالة الطوارىء والمحاكم العسكرية. كما ظلموا أنفسهم بعدم الاستقامة فى مواعيد وأساليب تسليم السلطة للشعب، وتحولوا أو برهنوا أنهم خصم للثورة وليسوا شركاء أساسيين فيها كما ادعوا فى البداية. وبالتالى فإن الشرعية الثورية والدستورية الآن هى للإسلاميين الذين حصلوا على أغلبية مقاعد البرلمان، وبدءا من يوم 23 يناير 2012 وهو يوم افتتاح البرلمان ستبدأ الحقبة الإسلامية، وسيبدأ الرأى العام فى مراقبة الإسلاميين وينظر كيف يفعلون، وهذا ينطبق على الذين انتخبوهم قبل الذين لم ينتخبوهم.
وبشكل عام نتوقع للإسلاميين أن يوفقوا وينجحوا فى إدارة البلاد عندما يشكلون حكومة بالفعل، لأسباب منطقية عديدة: فلن توجد أسوأ من حكومات العهد البائد وأى حكومة تتسم بالحد الأدنى من الجدية والنزاهة والوطنية فلابد أن تحقق نتائج أفضل، ولكن التحدى الأكبر ليس فى الادارة الأفضل، ولكن فى الانطلاقة الكبرى بالبلاد من براثن التخلف والتدهور إلى المكانة اللائقة بمصر فى الصف الأول بين الأمم. وضمان الحفاظ على استقلال البلاد، وقوتها العسكرية والاستراتيجية فى مواجهة الكيان الصهيونى. وهو مايتطلب من بين ما يتطلب سياسة خارجية واعية ونشطة ومؤثرة فى المحيطين العربى والإسلامى.
ويمكن تلخيص أهم التحديات التى تواجه الإسلاميين فى التالى:
الفترة الانتقالية: فإدارة المرحلة الانتقالية رغم قصرها مسألة بالغة الأهمية. يقول العسكريون بعد المزيد من الضغط الشعبى عليهم إنهم سيسلمون السلطة فى آخر يونيو القادم أى بعد حوالى 6 شهور، وهذه فترة قصيرة فى عمر الشعوب بشكل عام، ولكنها فترة طويلة فى عمر الثورات، خاصة فى أحوالنا المتردية على مدار 30 عاما وعلى مدار العام الماضى الانتقالى، أعنى المتردية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والحضارية والأمنية وعلى مستوى علاقاتنا الخارجية، فنحن لم نحقق شيئا طوال العام الانتقالى المنصرم إلا حريات منتزعة مع استمرار التهديدات المحيطة بها بممارسات العسكر التى كانت أسوأ من ممارسات حكم مبارك فى بعض المجالات. ثم حققنا الإنجاز الأكبر فى الانتخابات التشريعية. ولكن أحوال البلد متوقفة بسبب الحكومات الانتقالية قصيرة العمر فاقدة الأهلية والرؤية والمستدعاة من الماضى. وبالتالى فإن إضاعة 6 شهور أخرى فى مجرد الجدل السياسى سيكون له انعكاساته السلبية على شتى مناحى الحياة.
ولا شك أن الحوارات مطلوبة خاصة فيما يتعلق بصياغة الدستور. ولكن هناك مبالغة غير عادية فى هذا الموضوع، فمناقشات الدستور قتلت بحثا منذ سنوات طويلة، وخلال العام المنصرم حدثت مناقشات أكثر كثافة. وهناك العديد من مشروعات الدساتير المتوافق عليها، والأمر لم يعد يحتمل كثيرا من النقاش فالأمة تعرف ماذا تريد تحديدا: ضمانات حاسمة ضد الاستبداد، ومرجعية إسلامية كانت موجودة فى المادة الثانية من الدستور السابق ولكنها لم تكن مفعلة والجميع يوافق على استمراها، وعدالة اجتماعية. ومن الممكن للإسلاميين أن يقدموا للتيارات غير الإسلامية مايريحهم من خلال الإسلام نفسه، وأن يركزوا على أن تعزيز دعائم الإسلام تكون بالدعوة والاقناع والتربية وليس بالقوانين والزجر والعصا. ويكفينا مثال الحجاب الذى فرض نفسه رغم أن السلطات السابقة كانت تحاربه !!
ومع ذلك فإن التوافق الذى ندعو له فى الدستور وهو الأسلوب الأكثر رشدا فى كافة مناحى الحياة فما بالنا بقانون القوانين ؟ هذا التوافق والرغبة الدفينة فيه تعنى محاولة حصر الخلافات فى أضيق مساحة ممكنة، ولكنها لا تعنى الاجماع الذى لا تعرفه البشرية لا فى الدستور ولا فى غيره، بل إن تصديق الجمعية التأسيسية التونسية على الدستور المؤقت جاء بموافقة 129 واعتراض وامتناع قرابة ستين عضوا. وهذا آخر مثال من الثورة التونسية التى يتعين علينا أن نواصل التعلم منها بتواضع.
كما أضيف فوق كل ذلك أن صياغة الدستور ليست نهاية العالم، وأن العلاقات الواقعية بين القوى الوطنية وأركان ومؤسسات النظام الجديد أهم من النصوص نفسها، وأن أى دستور فى الدنيا قابل للتغيير والتعديل فى المدى القصير والمتوسط والبعيد، والأمثلة على ذلك عديدة فى مختلف التجارب الديمقراطية التى يعتبرها الليبراليون المثل الأعلى.
فالدستور الأمريكى الأول سرعان ما أضيف له فصل الحريات وحقوق الانسان، والدستور الفرنسى الأول خضع أيضا لتعديلات على فترات زمنية متقاربة. فالدستور كائن حى يرتبط بناؤه بتكوين المجتمع وتطوره، ومن خلال التجارب البشرية، وظهور الثغرات أثناء الممارسة، فالدستور شىء أقل من القرآن، فهو القانون الأساسى لتنظيم المجتمع، وحتى إن استوحى مبادىء الشريعة فان صياغته العملية تتضمن نوعا من الاجتهاد وهو قابل للتغيير بالحوار والمناقشة ومن خلال التجربة العملية. أى رغم الأهمية القصوى للدستورباعتباره العقد الاجتماعى الذى ينظم العلاقة بين الحكام والمحكومين، فإنه يجب ألا يشغلنا عن بداية ادارة المجتمع بصورة طبيعية وهذا ينقلنا إلى النقطة التالية.
تشكيل حكومة مستقرة بمعرفة مجلس الشعب:
تقصير الفترة الانتقالية هو واجب الساعة لكل الأسباب المشار إليها آنفا (والتى يمكن تلخيصها فى كلمة: وقف حال الأمة)! ولكن هناك سببا أكثر أهمية وخطورة، فكلما بقى العسكريون فى الحكم كلما استطالت فترة إغواء الشيطان لهم. والذى أرهق البلاد طوال الفترة السابقة هو هذا العامل تحديدا، الرغبة فى البقاء فى الحكم أطول فترة ممكنة فأخذوا يتحدثون عن نقل السلطة فى عام 2013. وأيضا البحث عن مرشح عسكرى للرئاسة. وأيضا وهذا هو الأهم وضع حصانات دستورية للجيش كما ظهر فى المادتين 9 و 10 فى وثيقة السلمى.
باختصار لقد انشغل العسكر أكثر من أى شىء آخر فى تحصين مراكزهم الفئوية (الاقتصادية) والسلطوية (السياسية) دون تقديم أى مشروع وطنى للنهضة والاستقلال بل ظلوا هم الأعلى صوتا فى المطالبة بالحفاظ على كامب ديفيد والعلاقات مع اسرائيل وأمريكا بل ظل هذا مسلكهم العلنى، خاصة فى العلاقات مع أمريكا والتأكيد على استمرار العلاقات العسكرية والسياسية معها واستقبال المسئولين الأمريكيين كل يوم تقريبا مع زيادة زيارات العسكريين للتعامل مع المجلس العسكرى من زاوية العلاقات الحميمة بين الطرفين المتولدة عن المعونة والتسليح الأمريكى والتدريب والدورات والعمولات. من العجيب أن يطالب العسكر بامتيازات خاصة بينما هم يواصلون خط كامب ديفيد !!
وبالتالى فإن الإسراع بتسليم السلطة للمدنيين هدف فى حد ذاته، إذ يسعى هؤلاء العسكريون إلى تبديد آثار الثورة وتحويلها إلى مجرد إطاحة بحاكم وبعض معاونيه. واستحضارهم الجنزورى من قبور حكم مبارك قرار يلخص الحالة الذهنية والسياسية لهؤلاء العسكر. وهم يريدون أن يكونوا فى السلطة خلال فترة إعداد المسرح السياسى للفترة القادمة: فترة صياغة الدستور، وانتخابات رئاسة الجمهورية.
ونحن فى المقابل لا ندعو إلى إسقاط المجلس العسكرى ليس لأى حسن نية تجاهه بل بالحسابات السياسية الرشيدة، فالشعب المصرى برهن على قدرته على مواجهة الجيش فى الأيام الأخيرة للمخلوع، والنتيجة كانت معروفة سلفا: انتصار الشعب وانضمام وحدات القوات المسلحة للشعب بشكل متسارع. وبالتالى فالعسكر لم يكن لهم فضل ولم يكن لهم خيار إلا أن يمالئوا الثورة ويعلنوا أنهم معها.
ومع ذلك فإننا خاصة بعد سقوط مبارك وهو ما أدى إلى تصدع فعلى للنظام بحيث لايمكن أن يعاد بناؤه كما يتصور البعض، نرى فى ظل هذا الوضع عدم الدخول فى صدام سياسى جماهيرى أو مسلح يستهدف إسقاط المجلس العسكرى طالما أنه يحلف بأغلظ الأيمان أنه سيسلم السلطة، ولكن يكفى ممارسة الضغوط السياسية والجماهيرية عليه ليلتزم بذلك. وعندما حاول الفرار إلى عام 2013 تم ردعه بالمليونيات فعاد إلى تاريخ يونيو 2012. وبمزيد من المظاهرات والاعتصامات بكر موعد اجتماع مجلس الشعب إلى 23 يناير وكان يريد أن يؤجله إلى مابعد انتخابات مجلس الشورى. ثم عاد وقصر مدة انتخابات الشورى. وفى شتى الموضوعات كمحاكمة مبارك وحقوق الشهداء والمصابين كان المجلس العسكرى لا يتحرك إلا بضرب العصا (المليونيات).
وفى هذا الإطار نرى أن المجلس العسكرى لا يتقدم لتسليم السلطة إلا تحت الضغط والإجبار. ونرى أن انتخابات مجلس الشعب قد وفرت متغيرا جديدا، وهو وجود هيئة لأول مرة منذ الثورة منتخبة من الشعب وتستطيع أن تمثل ثورته، فلا داعى إذن لممارسة المجلس العسكرى مسألة انفراده بالسلطة التنفيذية، لذلك اقترحنا أن تتولى الأغلبية فى مجلس الشعب تشكيل حكومة تراعى تمثيل مختلف القوى فى البرلمان شريطة أن يكون ذلك فى إطار برنامج جبهوى واضح للانطلاق فى التنمية والبناء وتنشيط العلاقات العربية والدولية بهدف انتشال مصر من كبوتها، وعدم تأجيل عملية النهوض 6 شهور أخرى، وقطع الطريق على إغواء الشيطان للعسكريين فلن يتوقف هذا الإغواء طالما استمر المجلس العسكرى فى حالة الاستيلاء الكلى على مختلف السلطات، بينما يهدد الناس بالأمن بنفس طريقة المخلوع: أنا أو الفوضى.
وأنا لا أبرىء أطرافا من العسكر فى إحداث بعض الاضطرابات السابقة، أو ترك بعض الاضطرابات لتتسع ليعلم الجميع أن أمن البلاد على كف عفريت ولا يصونها الا المؤسسة الوحيدة المتبقية وهى الجيش. وهذا ابتزاز وتهديد للشعب يمارسه العسكر بمنتهى السفور "مثلا عندما قال طنطاوى إن المجلس العسكرى مستعد لترك السلطة عن طريق استفتاء شعبى"!! أو من خلال الكتبة التابعين لهم فى وسائل الاعلام وما أكثرهم ولكن أكثر الناس لا يعلمون!
وفى هذا الإطار فإن المجلس العسكرى يتحمل دم عشرات الشهداء فى العباسية ومحمد محمود وماسبيرو والقصر العينى بأسلوب مباشر وغير مباشر فى آن معا.
ولا أقترح القيام بثورة ثانية لتشكيل هذه الحكومة المنتخبة وإقصاء حكومة الجنزورى، بل أرى أن الموقف السياسى الحازم للإسلاميين وللبرلمان يمكن أن يحسم الأمر، فنحن فى ثورة أنتجت هذا البرلمان، ولكنها لم تنتج هذا المجلس العسكرى الذى تشكل فى عهد مبارك، وبالتالى لم يعد هناك وجه للمقارنة بين مشروعية الطرفين وعلاقتهما بالثورة، أما الإعلان الدستورى فلا قيمة له فى مواجهة هذه الحقيقة لأن أحدا لم يوافق عليه، كما يمكن تغيير أى مادة فيه خلال 5 دقائق، وكم مرة استيقظنا صباحا على تغيير قانونى أو دستورى قام به المجلس العسكرى فى جنح الليالى!
لسنا مع السعى لتأزيم العلاقات مع العسكر، ولكن الإدارة السياسية والإعلامية الذكية وبعض الضغط الجماهيرى يمكن أن تحقق المطلوب فى هذه الخطوة، وستكون خطوة حاسمة لأنها تعنى نقل معظم السلطات التنفيذية بعد نقل كل السلطة التشريعية للشعب، وسيساهم هذا فى تصفيد الشياطين التى تغوى المجلس العسكرى.
أكتفى بهذا القدر حتى لا يطول المقال، وفى المقال القادم: الإسلاميون والديمقراطية، والإسلاميون وأمريكا وإسرائيل، واجب الإسلاميين تجاه القوى الأخرى والعكس بالعكس، موقف الإسلاميين من المنظومة الأمنية المستمرة من عهد المخلوع حتى الآن.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق