- بلادى توداى
- 1:26 ص
- تحليلات هامة
- لا توجد تعليقات
د. نادية مصطفى
الحلقة الأولى: في ملامح الثورة المضادة وأبعادها الثورة المضادة معطاة تواجهها كل الثورات، الكبرى والصغرى. ولكن تختلف طبيعة هذه الثورة المضادة وسبل مواجهتها باختلاف نموذج الثورة المعنية.
ومن ثَمَّ، تمتد أو تقصر أيضًا المراحل الانتقالية في عمر الثورات، وفقًا لطبيعة الثورة المضادة، ووفقًا للقدرة الثورية على التدعيم والتوسع والاستمرار حتى تتحقق أهدافها من بناء نظام جديد، وليس مجرد هدم نظام قديم.
وحيث كان نموذج ثورة مصر نموذجًا فريدًا بين الثورات من حيث كونه توافقيًّا حضاريًّا (سلميًّا، تعارفيًّا، عمرانيًّا...)، ومن حيث كونه بلا قيادة تقليدية تمثل الرأس أو الأذرع للثورة، ومن حيث أن الجيش وإن كان قد لعب دوره في حماية الثورة إلا أنه لم يقم بها، ومع ذلك انتقلت إليه إدارة البلاد في المرحلة الانتقالية، مع ما يعنيه ذلك من تحديات له ولعلاقته بالشعب الثائر.
بالنظر إلى هذه الحيثيات، لا بد وأن نتمكن من رسم خريطة مصادر الثورة المضادة ومضمونها وآلياتها. وابتداءً، يجدر القول: إن سجال الاستفتاء على التعديلات الدستورية قد نال من روح الثورة وهدد بانشقاق كبير على نحوٍ مكن لهذه المصادر وآلياتها وخاصةً في ظل تباطؤ التطهير، مع استمرار عدم انتظام الشارع وأمنه، وعدم انتظام الإنتاج.
ولذا؛ فقد شهدت أسابيع ما بعد الاستفتاء إفاقة من جرهم سجالات الاستفتاء، لينصرفوا من جديد للتحذير من الثورة المضادة وتعبئة الجهود الوطنية لمقاومتها.
ومع تعدد مداخل التحليلات عن الثورة المضادة، فيجدر أن نحدد مدخل لقراءتنا لها، من جمعة الاستفتاء 18/3 وحتى جمعة التطهير 8/4، وما تلاها من تطورات حتى بدأ التحقيق مع مبارك وحبسه ونجلاه على ذمة التحقيق (13/4)، وحل الحزب الوطني الديمقراطي بحكم من القضاء الإداري (17/4/2011م)، وتغيير المحافظين (17/4/2011م).
والمدخل المختار هو مدخل إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة للمرحلة الانتقالية. ويرجع اختيار هذا المدخل في هذه المرحلة إلى الآتي:
خلال الشهر الأول بعد إسقاط مبارك لم يكن دور الجيش أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة موضع نقد، أو على الأقل بصوتٍِ عالٍ (حتى خلال الاستعداد للاستفتاء). وعلى العكس، فإنه في الشهر الثاني تعالت وتعددت الانتقادات وتوافقت التحليلات على أن نمط إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة سمح لقوى الثورة المضادة بانتهاز بعض الفرص، وأن ضغوط الشعب المستمرة كانت محركًا لاستجابة المجلس الأعلى لهذه المطالب بطريقة تراكمية، تساعد على احتواء قوى الثورة المضادة تمهيدًا لتصفيتها، ولكن بنهج تدريجي وليس راديكالي وسريع كما تفترض الثورات عادةً حيث يقوم أساسًا على الإعلان عن ضرورة أن تكون إجراءات التطهير والمحاكمة وفقًا للقانون. ولقد أودى هذا السيناريو بأن دخلت العلاقة بين المجلس وبين الشعب مرحلة اختبار مهمة، مثلث بدورها ملمح من ملامح الثورة المضادة، وذلك خلال أحداث جمعة التطهير وما بعدها. والتي يمكن القول إنها كانت نقطة مفصلية في هذه العلاقة وفي مسار عملية التطهير.
بعبارة أخرى، بقدر ما يساعد هذا المدخل على تناول مصادر الثورة المضادة بقدر ما يجرنا إلى مناط أساس من مناطات مقاومتها، ألا وهو نمط العلاقة بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة والشعب المصري أو أحرار الشعب المهموم بالثورة وحمايتها وتحقيق أهدافها. ويظل موضع احترام القانون أو الحاجة إلى إجراءات ثورية للتطهير وإدارة البلاد منطقة مهمة من مناطق النقاش حول حقيقة أهداف الجيش، ودرجة مساندته لمطالب الثورة في التغيير وليس مجرد الإصلاح.
وفيما يلي قدر من التفصيل:
(أ) فإن قراءة الوقائع المتراكمة عن "الثورة المضادة" يمكن تقسيمها إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى:
- بقايا النظام السابق في المواقع المختلفة وخاصةً كوادر الحزب الوطني المتغلغة في النسيج المجتمعي ومؤسسات الدولة.
- بقايا جهاز أمن الدولة المنحل.
- رجال الأعمال الفاسدة، والذين ابتلي ببعضهم مجلس الشعب المنحل.
- الجريمة المنظمة (البلطجية): الحلفاء للنظام السابق.
- المتحولون الانتهازيون النفعيون "الجاهدون" للقفز في قطار الثورة بعد أن ركبوا طويلاً قطار الحزب الوطني في صفوفه الثانية والثالثة.
المجموعة الثانية:
- الصامتون المراقبون المنتظرون ما سيحدث، والمتبرمون في نفس الوقت من "تغير نمط الحياة" وعدم استقراره، والنافثون لخطاب اليأس والإحباط والمخاوف والتشاؤم بين قطاعات الرأي العام.
- المضارون من تداعيات الثورة على الاقتصاد، وخاصةً من فئات الشعب تحت خط الفقر، والذين لم يهبوا في ثورة جياع، وفق إحدى فزاعات الحزب الوطني، ولكن في نفس الوقت يمثل وضعهم قنبلة موقوته توظفها قوى الثورة المضادة، ولا بد لأحرار الثورة أن تنتبه إلى مطالبهم المشروعة.
- المنجرون إلى السجال والاستقطاب الحزبي والأيديولوجي ذو الطابع الاستعلائي والإقصائي، والذين يهددون قوى الثورة بالانشقاق قبل أن تتحرك لتحقيق أهداف الثورة؛ ذلك لأنهم يهددون روح ميدان التحرير ونموذج الثورة التوافقي.
وإذا كانت المجموعة الأولى قد حظيت بالاهتمام الأكبر وهي التي تعبر عما أسماه ضياء رشوان "الحلف الآثم"، كما أنها تعبر عن مصادر هيكلية من النظام السابق، الذي أسقطت الثورة رأسه، ولا بد أن تستكمل الثورة إسقاط هياكله المتجذرة (حزب وطبقة مصالح)، سواء على مستوى المؤسسات أو على مستوى منظومة قيم: الخوف والتواكل واللامبالاة. وعلى كلا المستويين، لعب الجهاز الأمني دوره في تكريس مصالح الحزب وطبقته.
فإن المجموعة الثانية من المصادر تنبع من دوائر شعب مصر، والذي شارك الثورة أو على الأقل لم يتحرك ضدها، وهي مصادر متنوعة ولكن تعكس جميعها ما أسماه د. سيف الدين عبد الفتاح القابلية للثورة المضادة بأكثر من طريقة.
بعبارة أخرى، وبالنظر إلى هاتين المجموعتين لا بد وأن نعي أن الثورة المضادة من خارج الثورة أساسًا، ولكن من داخلنا أيضًا. وكلنا مسئولون عنها، سواء في تجلياتها وآثارها أو في كيفية مقاومتها.
ومن ثَمَّ، وبالرغم من أهمية رصد أحداث ومؤشرات الثورة المضادة، للحفاظ على الوعي بها والتنبيه إليها كسبيل ومنطلق أساس لمقاومتها، إلا أن يوميات الثورة مليئة بها وعلى نحوٍ لا يمكن ادّعاء تقديم صورة كاملة عنه في هذا الموضع. إلا أنه يمكن تحديد ملامح عامة لحالة مصر بعد 19/3، تلخص تجليات الثورة المضادة المتعددة سواء تلك المتصلة بموضوعها (ماذا)، والقائم بها (من؟)، وآلياته (كيف)، وأسبابها (لماذا؟).
وأهم هذه الملامح، استمرار عدم الانتظام والأمن في الشارع المصري، استمرار عدم الانتظام في الإنتاج واستمرار المطالب الفئوية، الخوف من سقوط مؤسسات الدولة على أساس أن النظام المراد إسقاطه قد وحد مع مؤسسات الدولة وتغلغل فيها (البيروقراطية، الإعلام، الجامعات، الأمن،...)، الفزّاعات المتبادلة بين القوى الوطنية القديمة والجديدة، دعوات التصالح والتسامح مع رموز النظام السابق وخاصةً مع رجال الأعمال لاسترداد الأموال المسروقة، نبرات التشكيك والحيرة والضبابية وعدم الثقة في المستقبل، والهلع وأحداث الفتنة، وقصر النفس.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق