- بلادى توداى
- 1:31 ص
- تحليلات هامة
- لا توجد تعليقات
د. نادية مصطفى
الحلقة الثانية: المعضلة الثلاثية في إدارة أزمة الثورة المضادة
بالنظر إلى مصادر الثورة المضادة والمؤشرات عليها (سواء من خارج الثورة الشعبية أساسًا أو من داخلها أيضًا)، تبرز أمامنا معضلة العلاقة الثلاثية بين إدارة المجلس الأعلى للمرحلة الانتقالية، وبين مطالب الشعب الثورية وموضع احترام القانون عند تنفيذها. وهي المعضلة التي برزت، في هذه المرحلة، أكثر وضوحًا مما كانت عليه من قبل، كما سبق الإشارة.
ولقد تعددت الاتجاهات عن نمط إدارة الجيش، ما بين سكوت عن الموضوع، وما بين اتهام له بالمسئولية عن التباطؤ في التطهير، وما بين إيجاد مبررات للتباطؤ. وقد اتفق الجميع على عدم القدرة على معرفة كيف تتخذ القرارات في المجلس، وإن تفاوتوا حول مدى انفراد الجيش بالمسئولية عن الثورة المضادة إلا أنهم اتفقوا على جانب آخر على أن ضغط الشارع يدفع بالجيش للحركة الأسرع نحو التطهير.
وفي حين دافع البعض عن أن الشرعية الثورية تفترض إجراءات جذرية وسريعة للتطهير ومحاكمة الفساد السياسي، فإن البعض الآخر ساند الحجة الأساسية التي يبرر بها الجيش اتهامه بالتباطؤ، ألا وهي ضرورة توجيه الاتهام والتقديم للمحاكمة، بناءً على تطبيق القانون.
بعبارة أخرى، وحيث إن الجيش وإن لم يقم بالثورة إلا أنه هو الذي حماها، وبغض النظر الآن عن كيفية التعرف على الاتجاهات التي ينقسم فيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة من حيث الموقف من تبني مطالب الثورة كاملة وبسرعة، أو الاكتفاء ببعض الإصلاحات، وبغض النظر عن مسئولية هذا الانقسام عن تباطؤ حركة التطهير من عدمه، إلا أن الواضح هو حرص المجلس الأعلى وهو يدير المرحلة الانتقالية على بيان أن التدرجية يبررها ضرورة التحرك وفقًا للقانون.
وبالرغم من أهمية إرساء هذا الاحترام للقانون وتأكيده خلال هدم النظام القديم، ومن ثَمَّ خلال إعادة بنائه، إلا أنه يظل للعملة وجه آخر لا يتصل بهذا الجانب من الثورة المضادة، أي رموز وقيادة النظام السياسي السابق ولكن يتصل بمصادر أدنى للثورة المضادة كان يمكن التعامل معها بسرعة أكبر، وانطلاقًا أيضًا من القانون، أو بمراسيم بقانون؛ لما لهذا التعامل من أهمية في تخفيف وعلاج "القابلية للثورة المضادة" من داخل شعبنا. وأقصد بهذا الإجراءات المتصلة بتطهير مؤسسات مهمة مثل الجامعات والوزارات والمحليات والمجالس القومية من كوادر الحزب الوطني وقياداته، التي سريعًا ما أخذوا يخلعون أقنعتهم السابقة ويلبسون أقنعة جديدة، ويتلونون باعتبارهم كانوا من ثوار "الحزب الوطني" ومن المعارضة الداخلية.
كذلك، ماذا عن إعادة هيكلة الأجور -دون تحمل الدولة موارد إضافية- في بعض القطاعات المهمة؟ وغيرها من الأمور التي وإن بينت ثقل التركة التي يديرها الجيش، وربما صعوبة التعامل معها دفعة واحدة، إلا أنها من الحيوية بحيث كانت تقتضي هذه السرعة وهذا الحسم. ولقد ظلت هذه الأمور عالقة، وسببًا من أسباب عدم الاستقرار وعدم انتظام الإنتاج، حتى أدى ضغط الشارع والمليوينات المتتابعة إلى توالي الحلقات: حلّ جهاز أمن الدولة، تغيير قيادات المؤسسات الإعلامية، توالي تقديم الرموز إلى الاتهام والمحاكمات، وصولاً إلى التزامن بين ثلاثية مهمة:
أوَّلها: تقديم الرئيس مبارك ونجليه للتحقيق أمام الكسب غير المشروع ثم القبض عليهم رهن التحقيق وتوجيه اتهامات أخرى. وثانيها: قرار المحكمة الإدارية العليا حل الحزب الوطني، مقترنًا بحيثيات حكم قوية وحاسمة في بيان مسئولية الحزب عن نفث الفساد السياسي في مصر. وأخيرًا: تغيير معظم المحافظين. ولقد أثار هذا التغيير (بعد طول انتظاره) من الانتقادات الكثير، وخاصةً من حيث خلفية هؤلاء المحافظين التي تربطهم بالنظام السابق.
وإذا كانت الساحة السياسية والمجتمعية في مصر قد امتلأت خلال الشهر الثاني من رحيل مبارك بسجالات ونقاشات كان للجيش نصيب فيها، إلا أن الفترة بعد الاستفتاء شهدت صعود نبرة الانتقاد والاتهام للجيش على نحوٍ غير مسبوق، وخاصةً من جانب من شباب الثورة والتيارات اليسارية والعلمانية. ولم يتورع بعضها الذي لم يكف عن توظيف فزاعات "الإسلاميين" من ابتداع رؤية مفادها الآتي:
فمن ناحية: أن هناك تحالفًا مسكوتًا وضمنيًّا بين الجيش وبين الإخوان بدليل أن الإخوان قد نزلوا بثقلهم وراء التعديلات التي قدمها الجيش، كما تردد رموزه وغيرهم من الإسلاميين ضرورة عدم تجاوز القانون للإسراع بمحاكمة رموز النظام السابق.
ومن ناحية أخرى: سيظل النظام المصري أسير نفس النمط السابق القائم على احتكار فصيل واحد للسلطة، مستخدمًا في مواجهة الأقباط فزاعة أخرى هي السلفيون والجماعات الجهادية.
ومن ناحية ثالثة: أن تباطؤ الجيش هو تواطؤ مع رموز النظام السابق وأن للجيش رؤية وخطة وراء ذلك التباطؤ مفادها التحكم في طبيعة النظام الجديد، أو ربما قيادته إذا اقتضى الأمر.
ناهيك عن تعرض الجيش لضغوط خارجية أجنبية وعربية لعدم محاكمة مبارك وعائلته، ولقد اعتبر البعض أن هذا النمط من الانتقادات والاتهامات للجيش هو نوع من الثورة المضادة من الداخل، لا تقل خطورة عن الثورة المضادة من الخارج.
وكان لا بد وأن تصل هذه الرؤى الاتهامية الانتقادية، الضمنية أحيانًا والخافتة أحيانًا أخرى، إلى محك الاختبار الحقيقي لبيان مدى مصداقيتها ولحماية الأمة والعلاقة بين الجيش والشعب من إدراتها وعواقبها. وخاصةً وأنها قد ساهمت في زيادة وطأة حالة الشكوك والمخاوف وانعدام الثقة والشعور بالتهديد الذي يحوق بالثورة، والتي بدأت تسري جميعها على الساحة المصرية وتمثل مصدرًا من أخطر مصادر الثورة المضادة من داخلنا.
وكما تكررت ألطاف الله بالثورة منذ 25/1 وحتى خروج مبارك، لم تكف هذه الألطاف عن الظهور كلما اشتد الأمر، وكلما ازداد مكر الماكرين بالثورة. ورُبَّ ضارة نافعة.
وجاءت هذه الضارة النافعة يوم جمعة التطهير 8/4/2011م متمثلة في الأحداث الناجمة عن ظهور بعض العسكريين بملابسهم العسكرية وسط المتظاهرين، بل وعلى المنصات، في وقتٍ أخذت عناصر من المتظاهرين تنال من انتظام الجمع وتدفع بالفوضى مرددة لأول مرة شعارات ضد الجيش وضد المشير، وعلى نحوٍ انتهى باعتصام في ميدان التحرير، تدخَّل الجيش لفضه في وقت حظر التجوال (من الساعة الثانية حتى الخامسة) فجر السبت 9/4. ولقد أثارت هذه الواقعة نقاشًا كبيرًا وممتدًا ومتشعبًا شاركت فيه بالطبع الاتجاهات المختلفة، وبغض النظر عن التفاصيل في المداخل والحجج والحجج المضادة، إلا أن الساحة في مجملها اتسمت بالآتي:
1- كان للجيش الحق في فض الاعتصام والقبض على العسكريين المحتمين بالمدنيين؛ استجابةً لقانونه الداخلي، وحفاظًا على تماسكه، ووأدًا لفتنة في مهدها، ولمعرفة أسبابها ومصادرها حيث تبين للجيش أن الثورة المضادة قد انتقلت لصفوفه. ومن ثَمَّ تأتي ضرورة مساعدة الجيش على حماية تماسكه.
2- تعاون روافد من شباب الثورة مع الجيش لفض اعتصام آخر في الميدان؛ تأكيدًا لضرورة انتظام الشارع والحفاظ على الاستقرار من أجل التغيير الآمن.
3- التوافق العام على أهمية وضرورة وحيوية دور الجيش في حماية الثورة وتحقيق مطالبها، وإن كان ذلك لا يمنع انتقاد إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلا أن الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه هو اتهام الجيش أو تخوينه. وفي نفس الوقت، كان التأكيد على أهمية موقف الجيش المعلن منذ البداية أنه وكيل للثورة يدير البلاد مؤقتًا حتى تستعد بسرعة لتسلم السلطة.
4- خظورة التشكيك بين التيارات السياسية والتشويه المتبادل، وخاصةً إذا أضحى المحك هو التحالف مع الجيش أو الوقوف ضده. ومن ثَمَّ، تأكيد خطورة الاستقطاب والاستبعاد المتبادل بين التيارات.
5- تأكد للجيش بدرجة أوضح صحة مخاوف الشعب من الثورة المضادة، وخاصةً بعد الحديث الذي أذاعته "العربية" لمبارك يوم 10/4 حاملاً نغمة تبرئة الذات من ناحية، ونغمة التهديد بمحاسبة كل من أساء لسمعته وأسرته من ناحية أخرى.
ولقد أثار توقيت الحديث ومضمونه الكثير من التساؤلات عن مغزاه بالنسبة لحالة العلاقة الراهنة بين الجيش والشعب عقب جمعة التطهير، وأليس هو مزيد من دق الأسافين بين الطرفين استكمالاً لسيناريو الثورة المضادة؟
أم هو عنجهية سياسية أخرى من مبارك تضاف إلى أحاديثه الثلاثة الكبرى منذ 25/1 وحتى 11/2 والتي بينت جميعها حجم الهوة بين هذا الرئيس وبين قدرته على فهم شعبه، بل وتقدير قدر نفسه وميراثه في حكم البلاد لثلاثين عامًا؟
خلاصة القول: قوله تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق: 15-17]. وكذلك قوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]. نعم خرجت الثورة بعد هذا المفترق بدرجة أقوى من التصالحية والتحالفية بين الشعب وبين الجيش.
وتوالى الإعلان عن محاكمة مبارك وعائلته والقبض على إبراهيم كامل وأعوانه مدبري موقعة الجمل، وحل الحزب الوطني، وتقديم أحمد فتحي سرور للتحقيق.
ولكن تظل الثورة المضادة تطل برأسها، وتظل الحاجة لمزيد من المواجهة معها.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق