- بلادى توداى
- 1:35 ص
- تحليلات هامة
- لا توجد تعليقات
د. نادية مصطفى
الحلقة الثالثة: نحو استجابات ملائمة لتحدي الثورة المضادة
الاستجابات المطلوبة لمواجهة تحديات الثورة المضادة لا بد وأن تأخذ في اعتبارها متطلبات "التدافع الحضاري" من أجل التغيير الحضاري.
لا بد وأن تقوم هذه الاستجابات على ثلاثة مرتكزات: حماية العلاقة الراهنة بين الجيش والشعب، "التعشيق" وليس التشبيك بين المجلس الأعلى والوزارة وبين روح التحرير ومطالب الشعب لتتولد قيادة للثورة، حماية روح نموذج التحرير التعددية، التعارفية، التكافلية، العمرانية وإشاعتها بين "أهلينا". حيث إن هذه المرتكزات تعكس ثلاثية: الروح، والعقل، والجسد: روح التحرير، وعقل القيادة المأمولة، وأذرع وأرجل جسد يحمل هذه الروح وهذا العقل، ويتحرك وفقًا لهما لتحقيق أهداف الثورة وليس مجرد بعضٍِ من مطالبها الآنية.
لقد تجسدت هذه الثلاثية بطريقة إبداعية عكست التركيبة الحضارية للشعب المصري ومخزونه الحضاري في نموذج ميدان التحرير. وإن هذه التركيبة وهذا المخزون الحضاري هو الذي أضفى على الثورة تفردها من حيث التوقيت والمسار والآليات والنتائج حتى 11/2. هذا التفرد الذي وإن يحاول الجميع -كل وفق مرجعيته وإطاره الفكري- أن يفسره إلا أن هناك إجماعًا على كونه يعكس خصوصية الشعب المصري التي عبرت عن نفسها بطرق عدة عبر تاريخ هذا الشعب. وفي جوهر هذه الخصوصية، تدين هذا الشعب بمسلميه ومسيحييه، وعلاقته المتفردة بالله. ولذا؛ فإن جانب أساس من فهم تفرد "الثورة" لا بد وأن يكون الإيمان "بألطاف الله" وعونه لعباده أن تحركوا.
إن هذه المرتكزات الثلاثة، والخيط الناظم بينها الذي يترجم ما لها من دلالات حضارية، لا بد وأن يتطلب توليد رؤى عن ماهية الاستجابات المطلوبة لمواجهة تحديات الثورة المضادة بمستوياتها الخارجية والداخلية، ومن ناحية أخرى فهي تتطلب إبداع الآليات والأدوات التي تجسد هذه الرؤى وتحول الفكر إلى حركة، سواء في المرحلة الانتقالية أو ما بعدها.
ولم تعدم الساحة المصرية النخبوية والجماهيرية، الفكرية والسياسية والإعلامية، خلال الشهر الثاني من عمر الثورة الرؤى المتدفقة والمتكاملة في معظمها والمتنافسة (ولا أقول المتناقضة) أحيانًا، وخاصةً فيما يتصل بمنطق ومآل العلاقة بين الجيش والشعب والقانون، والأدوار المطلوبة من "العقل" ومن "الجسد" لحماية "الروح". تلك الروح التي تمثل الأساس الذي يبنى عليه تغيير حضاري وليس مجرد تغيير سياسي.
وتقودني قراءتي للخطابات خلال الشهر الثاني من عمر الثورة، للتمييز بين المستويات التالية من الرؤى (وهي متكاملة وليست بدائل):
المستوى الأول: القيادة: ضرورة الاستمرار في "التطهير" لإزالة أركان النظام السابق، وحيوية الإسراع به سواء من خلال الإجراءات القانونية الراهنة واحترام تطبيقها كأساس للاتهام والمحاكمة، أو من خلال حزمة مراسيم بقوانين للثورة تحقق الإسراع في الإزالة وضمان الجدية والمصداقية في استعدادات المرحلة الانتقالية؛ حتى لا تتحول تلك المرحلة إلى استنزاف للثورة وليس استعداد لبناء جديد.
ويمكن الإشارة على سبيل المثال إلى ما يلي: من ناحية: مراسيم لتجفيف منابع الثورة المضادة، بحيث تمنع الممارسة السياسية على كوادر وقيادات الحزب الوطني المنحل، وتحقق استبدال القيادات الراهنة في مواقع عديدة استراتيجية والتي ارتبطت بالحزب الوطني. ومن ناحية أخرى: مراسيم تضع هياكل جديدة للأجور في ظل الموارد المتاحة لكل مؤسسة وليس موارد جديدة، على نحوٍ يسمح بتأليف القبول من بين أهلينا المتعبين والمكدورين من جراء الفساد السابق والظلم الاجتماعي الذي اقترن به.
ومن ناحية ثالثة: مراسيم إعادة هيكلة وظيفة ودور الجهاز الأمني برمته؛ تحقيقًا للأمن المفقود حتى الآن.
إن مسألة قيادات جديدة مسألة حيوية ولا تعني أسماء جديدة فقط، ولكن لا بد وأن تعني جيلاً جديدًا غير تقليدي، ويعكس اختياره تفاعلاً مع روح التحرير وأهدافه. وافتقاد هذا النمط، سواء في تشكيل الحكومة الانتقالية (بما فيها حكومة د. عصام شرف) أو في المحافظين أو قيادات الإعلام، من أهم أسباب استمرار الاحتجاجات الفئوية والعامة وما يشعر به الجميع من تراخٍ أو جمود أو فوضى في مؤسسات عديدة. حقيقةً، هذه الحكومات هي لتسيير الأعمال في هذه المرحلة الانتقالية، إلا أن التسيير أيضًا يحتاج لروحٍ جديدة؛ لأن هذه المرحلة هي التي تشهد التأسيس للجديد.
من هنا، لا بد من التأكيد على خطورة الأخذ المطلق بمقولة: إن النظام السابق قد تغلغل في الدولة حتى لتهدد إزالة هذا النظام (رموزه وطبقته وآلياته) وجود الدولة ذاتها. فهذه مقولة حق يراد بها باطل؛ لأن الدولة قد أصابها التفكك والضعف بالفعل، ومن ثَمَّ فإن استمرار بقايا هذا النظام فترة أطول (وخاصةً في المرحلة الانتقالية) قد تهدد الثورة ذاتها وفرصها في إعادة بناء الدولة والنظام.
ومناط تغيير هذا الأمر هو ضرورة قيادات جديدة وثورية وبأسرع وقت في القطاعات الاستراتيجية، فهذا هو المنطلق الأول ضد الثورة المضادة، ولو خلال مرحلة انتقالية. فحقيقة تلك الأخيرة تركز على إدارة الأزمات والتسيير الآني، ولكنها أيضًا تؤسس للجديد. وكل هذا يحتاج لقيادات جديدة.
والاحتجاج باحترام القانون كأساس لتوجيه الاتهام أو للإبقاء على قيادات راهنة لم تتهم ليس مقبولاً على إطلاقه؛ فالآلية القانونية ليست جامدة وليست للحفاظ على الأوضاع القائمة ولكن يمكنها البحث عن (جديد) في إطار أننا نعيش ثورة لحماية الثورة وفي ظل احترام للقانون أيضًا.
وكذلك الاحتجاج بالحكمة والخبرة المطلوبة لدى قيادات المرحلة الانتقالية هو حجر على الثورة واستبعاد للقوى الثورية الشابة الجديدة (اللاحزبية)، أو القوى الثورية الشابة ذات الانتماء للقوى السياسية الحزبية القائمة. إلا أن هذه القوى الشابة عليها أن تلعب -الآن- دورًا حيويًّا في مجالين أساسين: الاستعداد للبناء الجديد: من ضم الأهل من جديد.
ومسألة القيادة المطروحة عاليًا إنما تقع على مستويين القيادات في القطاعات الاستراتيجية، ولكن الأهم المستوى الأعلى، ألا وهو القيادة التي تدير البلاد الآن، المجلس الأعلى للقوات المسلحة والجيش. فإن منحى إدارته حتى الآن يقدم مؤشرات إيجابية عما يجب أن تضحى عليه العلاقات العسكرية المدنية في النظام الجديد؛ ذلك لأن مدنية الدولة لا تقتصر على العلاقة بين الديني والمدني والسياسي فقط ولكن تمتد بالضرورة إلى العلاقة بين العسكري والمدني أيضًا. وهذا مجال في حاجة أيضًا لاقتراب منظم وواعي، لا يزيد من التهويل في مدح دور الجيش حتى الآن، ولا يزيد من التهويل في الشكوك والاتهامات.
ولكن نحن في حاجة لاهتمام أكبر للإجابة عن السؤال التالي: ما استراتيجية الجيش تجاه وضعه في النظام الجديد؟ وما سيكون عليه وضع الجيش في الدستور الجديد المأمول؟ وهل لديه خطه استراتيجية أم لا للتأثير في مسار النظام الجديد؟ وهل يفكر في كيفية ضمان ما كان له من نفوذ وسيطرة ودور في ظل النظام السابق (مهما قيل عن اتجاه مبارك لعدم تسييسه) أم في كيفية تأكيد دوره الجديد الذي أسفرت عنه حمايته للثورة وإداراته للبلاد حتى الآن؟ ومن ثَمَّ، فالأهم أيضًا هو هل يتم طرح "كيفية تنظيم الدستور الجديد لوضع الجيش" في المناقشات الدائرة الآن بين المتسابقين (كلٌّ على حدة) على وضع "مشاريع للدستور" أو على مستوى "الحوار الوطني" المفقود حتى الآن؟ وهذا يقودونا إلى المستوى الثاني.
المستوى الثاني: الاستعداد للبناء المأمول بعد الفترة الانتقالية:
مهما كانت طبيعة الإجابة عن الأسئلة السابقة، بل وصعوبتها الآن بعد شهرين فقط من عمر الثورة بعد الإطاحة بمبارك، فمما لا شك فيه أن الثورة المصرية ذات النموذج الفريد والتي لم تكن ثورة بقيادة تقليدية، لا يقتصر مآلها على ما يتصل بالقيادة فقط رغم أهميته، بل يتوقف على استمرار "أحرار الشعب المصري" في القيام بدورهم الذي فجر الثورة ووسع نطاقها ومتن من صمودها حتى رحل مبارك. وبالتالي فعلى هؤلاء الأحرار الكثير، وليس أهمُّه استمرار الضغط من أجل إتمام إزالة أركان النظام السابق وبأسرع وقت، ولكن الأهم هو التوافق الوطني حول شكل النظام الجديد والدستور الجديد الذي يحدد طبيعة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي وهوية الدولة والمجتمع:
أ- إعادة الهيكلة السريعة والفاعلة لدور جهاز الداخلية.
ب- المبادرة بوضع رؤى وخطط لتشريعات جديدة تحقق التغيير في القطاعات الاستراتيجية المفصلية، انطلاقًا من تجفيف منابع النظام السابق (قيمه ومؤسساته)، وعلى رأسها الفساد السياسي والمالي وسعيًا نحو تغيير حضاري شامل يرتكز على مشروع تنموي نهضوي ذو دعائم أساسية (التعليم، الصحة، الإنتاج، الإعلام).
ج- إعداد قيادات جديدة للانتخابات البرلمانية في ظل ائتلاف للقوى السياسية التي شاركت في الثورة ودعمتها، وكذلك قيادات جديدة للعمل النقابي الحر في كافة المجالات.
بعبارة أخرى، علينا الاستعداد، نحن النخب الفكرية والسياسية، ليس فقط مجرد الدعوة للجيش للقيام بكذا وكذا، أو اتهامه بكذا وكذا، فالأهم هو كيف نحرك قوى ضغط منظمة للتغيير في كافة المجالات: الجامعات، النقابات، التعليم، الصحة، التخطيط العمراني، نمط التنمية، الصناعة والزراعة والبنوك... إلخ، فنحن في حاجة لتغيير حضاري وليس مجرد تغيير سياسي من أعلى. إن هذا الاستعداد للبناء أصعب بكثير من إزالة البناء القديم، ويحتاج لإبداع ولمبادرة ولتشبيك ولتواصل بيني في إطار رؤية استراتيجية تحدد الروابط بين جميع هذه القطاعات ومتطلبات كل منها لإحداث تغيير حضاري شامل، يستلزم أيضًا خطة زمنية، فهل ننتظر حتى نضع دستورًا وننتخب برلمانًا ورئيسًا أم نبدأ من الآن على المستوى القطاعي والجزئي (النوعي)، كما نبدأ على المستوى الكلي (شكل الدستور وشكل النظام السياسي والاقتصادي)؟
مما لاشك فيه، أنه قد شهد "الشهر الثاني" من عمر الثورة حراكًا من أجل الإطار الكلي العلوي، إلا أنه شهد أيضًا حراكًا ولكن أقل على المستويات الجزئية، بدأت عليه مراكز الفكر والبحث المستقلة وفي الجامعات، وإن كان معظمها مركزًا، وبدعم وتمويل أجنبي ملحوظ، على التدريب والتوجيه فيما يتصل بأركان العملية السياسية؛ تكوين الأحزاب ومفاهيم الديمقراطية والليبرالية والعلمانية... من مكونات "التوعية السياسية". إلا أنه من ناحية أخرى، بدأ يجري التفكير (مثلاً على صعيد مراكز كلية الاقتصاد جامعة القاهرة)، في أمور مثل: الوضع الدستوري للمعلومات في مصر، رؤية للإطار الدستوري للامركزية والحكم المحلي بعد ثورة 25 يناير، محاربة الفساد من خلال العمل الجماعي والتعليم والتدريب (نحو اقتصاد أكثر شفافية)، الاقتصاد المصري إلى أين، إعادة هيكلة الجهاز الأمني، الدولة المدنية.
كما تم -على مستوى الإعلام والمبادرات المدنية- طرح الدعوة للنقاش حول أكثر من مجال يحتاج لتشريعات جديدة مثل: العمل النقابي الحر، إعادة تنظيم العمل المدني (التمويل الأجنبي)، قانون الجامعات، قانون الأزهر، قانون للأوقاف... إلخ. ومع ذلك، يجدر القول: إن الهرولة للسياسي ما زالت تسيطر على اهتمامات الساحة على حساب الاقتصاد والعمل المدني التنموي، وعلى نحوٍ يدفع للتساؤل: ألم تكن الثورة مؤذنًا لتغيير حضاري وليس مجرد تغيير سياسي؟
المستوى الثالث: نبض "الناس ووعيهم: نواة التيار الرئيس للجماعة الوطنية، من اللامبالاة إلى الفعالية الضرورية: كيف "نضم أهالينا" من جديد؟ الأهل مناط التغيير الحضاري المنشود.
لعب الإعلام دائمًا دوره في الحروب السياسية التي خاضها النظام السابق ضد المعارضة وضد شعبه. لعب الإعلام الرسمي وكذلك الإعلام غير الرسمي دورهما في الحروب السابقة وكان "الناس" "الأهل" هم المستهدفون. وإذا كان الإعلام الرسمي قد لعب دورًا مخذولاً هابطًا خلال أيام الثورة، ارتد إلى نحره وآل به إلى شبه السقوط، وعلى نحوٍ جعل من تغييره الفوري أولوية لا تقل أهمية عن أولوية محاكمة رموز النظام السابق، إلا أن الإعلام سواء الرسمي أو غير الرسمي لم يبرأ بعد تمامًا، حيث تبدت أنواع جديدة من الأمراض تنال من حالة وروح الأهل والناس إذ إنها تدخلهم في حلقات من النقاشات النخبوية، التي تبدو أحيانًا غير متينة الصلة بما يشعر به الناس أو يعانون منه مباشرةً، حيث إن هذه النقاشات، إنما تدور حول أجندة تحددها القطاعات الفكرية والمالية التي تمتلك الإعلام غير الرسمي، أو التي توجه الإعلام الرسمي. وهو أمر يبين حجم الفجوة بين المثقفين وبين المجتمع.
ولعل مرحلة الاستعداد للاستفتاء على التعديلات الدستورية كانت من أوضح الأمثلة على المقولة السابقة:
ففي حين انبرى الجميع للدفاع -علنًا أو ضمنًا- عن "التصويت بلا"، فإذا بنتيجة الاستفتاء تكون على العكس، وعلى نحوٍ قدم دلالة حضارية مهمة جدًّا، وهي إلى أي حد يعكس الإعلام اهتمامات الشارع ونبضه وإلى أي حد تأثر "الناس" بهذا الإعلام مقارنةً بالتأثر بقوى أخرى. ولهذا؛ كانت أحد أهم مآثر الاستفتاء هو أنه كشف عن حقيقة أوزان القوى السياسية على الساحة من ناحية، وكشف عن أن مناط التأثير في "الناس" والأهل ليس "التأثير عن "بعد" ولكن على الأرض، من خلال الالتحام المباشر معهم. ومن هنا كان توجه القوى السياسية المنظمة (الحزبية) والقوى السياسية الجديدة بعد الاستفتاء للنزول إلى الناس، خارج مختبرات وملتقيات النخب في الغرف المغلقة، في سباق مع الزمن لبناء قواعد شعبية لهم، بعد أن تأكد لهم هشاشة ما كانوا يعتقدون توافره من هذه القواعد، أو ربما انعدامها على الإطلاق بين "الناس"، ليس لعيبٍ في هذه القوى في حد ذاتها، وليس لعيبٍ في الناس ذاتهم (كما تنحو بعض القوى للقول)، ولكن لافتقاد لغة التواصل ولغة الفهم المتبادل.
ولكن ظل الإعلام وبعد الاستفتاء يلعب دورًا آخر في خلق الفزاعات الجديدة من القوى الإسلامية، وبانتهازية سياسية كبيرة تقوم على التهويل ونشر الأخبار الكاذبة، ناهيك من إنصاف المتعلمنين من النخب الذين تبين أنهم "بعيدون" عن نبض الناس، بل وأبعد عن القدرة في التأثير عليهم أو تغييرهم، كما هو مطلوب في عملية تغيير حضاري.
ولذا؛ ما كان من المستغرب، وقد استحكمت قوى الثورة المضادة أن يصبح "الأهل"، "الناس" موضوعًا وهدفًا لهذه الثورة، بل وأحيانًا فاعلاً من فواعلها عن قصد أو غير قصد.
نعم، موضوعًا وهدفًا وفاعلاً. فالناس هم مادة البلطجة والاختلال الأمني، وهم هدف الإعلام غير المسئول أو القوى السياسية المنظمة الساعية لتعبئة المساندة، وهم فاعلون حين ينجرفون في تيار المطالب الفئوية الضيقة التي تنال من الإنتاج أو ينساقون وراء تيار الإشاعات والاتهامات والشكوك أو يرسفون في تيار اللامبالاة والانتظار. ولكنهم في كافة الأحوال ترمومتر الحالة المعنوية العامة لمصر الثورة، وآفاق استكمالها المسيرة. كما يظلون نواة لكل تيار رئيس في الجماعة والوطنية ومناط التغيير الحضاري المنشود، فهذا النمط من التغيير لا يقوم به النخب بمفردهم، ولا يجب أن يستفيدوا هم فقط منه؛ فالتغيير الحضاري ليس "التغيير السياسي" لأن مناط الناس بمنظومات قيمهم وكيانات حركتهم وآليات سلوكهم، سواء في العمل السياسي المباشر أو في العمل المدني التنموي، هكذا تحدثت عن الناس ما أن نجحت الثورة باعتبارها ثورة حضارية.
ومن ثَمَّ، فإن تعبئة طاقة "الأهل" ضد الثورة المضادة من أهم المتطلبات الآنية ومتوسطة الأجل. ذلك لأن نموذج الثورة كان نموذجًا لانتشار السلطة، فالثورة لم تكن منزوعة السلطة كما يقول البعض (نظرًا لافتقادها قيادة واضحة) ولكن عكست نمطًا جديدًا للسلطة، غير المتنازع عليها بين مراكز السلطة، وهو نمط من السلطة يقوم على توزيع الأدوار، كل لما يسر له وفق قدراته وإمكانياته ومرجعيته.
وبناءً عليه، فإن تعبئة طاقة الأهل ضد الثورة المضادة تستلزم استعادة هذا النمط من السلطة، وفي مواجهة عودة مراكز القوة التقليدية إلى تنازع مناط السلطة على أكثر من مستوى. وهذا الوضع المأمول يتطلب عدة أمور اقتربت منها الآراء قربًا أو بعدًا، صراحة أو ضمنًا، ولكن غالبًا من مداخل جزئية وبدون إطار ناظم يركز على "الأهل"، حيث اتجه التركيز نحو "النخب من جديد"، سواء القديمة أو الجديدة.
ومن أهم هذه الأمور، وفي إطارٍ ناظم:
1- تجديد دور الناس وتعبئتها وتجميعها من خلال قنوات غير حزبية مثل اللجان الشعبية من ناحية، والمبادرات المدنية من ناحية أخرى دعمًا للأمن من جهة، وتحفيزًا للعودة للإنتاج من جهة أخرى. والأمن والإنتاج هما وجهان لعملة واحدة تسمى "الاستقرار"، وهو الاستقرار بمعنى إيجابي، كمتطلب من المتطلبات المسبقة لتحقيق مطالب الثورة ثم أهدافها، وذلك وفق منظور حضاري لا يستقيم والراديكالية الفوضوية المقترنة بالعنف والتي تمثل سمة من سمات "الثورية" وفق المنظور التقليدي للثورات باعتبارها قرينة العنف والجذرية لإحداث التغيير السريع الذي يستجيب لمطالب الجماهير الثائرة، حتى ولو على حساب حقوق آخرين، أو على حساب الاستقرار (الإيجابي الدافع للتغيير والعجلة تدور).
2- استعادة الإعلام والمجتمع التوازن وعدم الهرولة نحو السياسي الحزبي الصراعي والاتجاه نحو المدني التنموي التعاوني.
3- حسن فهم النواة الصلدة لدى "الأهل" وهي "الدين". فإن استبعاده بأي شكل من الأشكال، أو جعله مادة للخلاف بين القوى السياسية المتصارعة، محكوم عليه بالفشل، ويرتب من المخاطر أكثر مما يرتب من مكاسب لأي فريق. ولكن يظل أو يصبح مصدر تعبئة لجهود "الأهل" من أجل تغيير حضاري يرسي نظام ديمقراطي مدني ويبني تنمية شاملة، وحتى يحقق هذا التغيير الحضاري نهضة ونهوضًا.
4- التضامن الأهلي في مواجهة الجوع والتداعيات الاقتصادية على وضع فئات من الشعب المصري التي هي في الأساس تحت خط الفقر. وهذا التضامن ضرورة لاتقاء ثورة غير مأمولة طالما استخدمها النظام السابق كفزاعة ضد التغيير السريع؛ فالجياع لن يصبرون طويلاً لحصد نتائج الثورة بعد سنوات. ولذا؛ من الضروري التكاتف السريع حول وسائل تخفيف الجوع والفقر، (وحتى نتمكن من قتله من خلال التخطيط لعدالة اجتماعية) من ناحية، والنيل من ناحية أخرى من المنافع الآنية لطبقات فاسدة.
وهذا التضامن في مواجهة الجوع يقترن بتضامن آخر مطلوب لدعم الاقتصاد الوطني في هذه المرحلة من القادرين من أهل مصر (حتى ولو تأثروا بالتداعيات الاقتصادية للثورة) داخل وخارج مصر.
5- ضرورة تبني إجراءات سريعة، إبداعية، تحسن من "الحالة العامة" للعاصمة وللمدن وللريف، وحتى يشعر الناس بأنه قد جرت ثورة، فيتجدد الأمل والثقة بإمكانية التغيير. والأمثلة على ذلك عديدة من أهمها؛ النظافة العامة، وانضباط المرور، وتحسين الخدمة البيروقراطية في قطاعات خدمة الجمهور، خطابًا إعلاميًّا أكثر تفاؤلاً وأكثر فعالية في مخاطبة الناس كفاعلين وليس كموضوع لصراعات قوى أو منتفعين (بدون مشاركة) بالثورة.
6- وأخيرًا، إن وصول الثورة إلى الأقاليم والريف ضرورة، فالثورة ليست للمدن الكبرى فقط أو عواصم المحافظات. هنا يكمن مناط التغيير الحقيقي، ولن يتحقق في شهور -مهما أطلنا المدة السابقة على وضع دستور جديد أو إجراء الانتخابات اللازمة لإعادة الجيش إلى معسكراته- ولكنها عملية ممتدة ومهمة وضرورية لا بد من التخطيط الجيد لها من أجل إحداث نهضة إقليمية وريفية حقيقية في العقول والقلوب وليس في الخدمات فقط.
وأخيرًا، ومع أهمية هذه الرؤى وإخلاصها حول الاستجابات المطلوبة في مواجهة تحديات الثورة المضادة، يظل المحك لتنفيذها متمثلاً في أمرين:
من ناحية: مآل الاستقطاب السياسي والفكري الذي قفز برأسه، وكيفية إدارته، ونحو ماذا؟
ومن ناحية أخرى: مشروعات التنمية الوطنية التي يقوم عليها القطاع المدني.
والأمران، السياسي العلوي، والسياسي الأدنى، يتمايزان ولكن لا يجب أن ينفصلا أو يتم الهرولة لأحدهما (السياسي) على حساب (المدني)، وهما أيضًا يتأثران بقوة بالأبعاد الخارجية للثورة.
ومن ثَمَّ، فإن المحاور التالية من هذه القراءة تنصب على هذه الجوانب الثلاثة المؤثرة على المرحلة الانتقالية من أجل استكمال إزالة النظام القديم والإعداد لبناء النظام الجديد.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق