- بلادى توداى
- 8:50 ص
- أبحاث ودراسات
- لا توجد تعليقات
الاقتصاد والتنمية المستدامة
الفصل الأول
مرجعية التنمية
مقدمة :الفصل الأول
مرجعية التنمية
تأسيساً على التنمية البشرية ودعماً لها يتناول هذا الباب عملية إحداث التنمية المستدامة في الاقتصاد المصري، ومن ثم يرتبط جذرياً بالتنمية الاجتماعية والنهضة الثقافية في البابين الآخرين : الخامس والسادس، كما يرتبط عضوياً بالإصلاح السياسي والدستوري في البابين الأول والثاني.
التنمية الاقتصادية:
لإخراج الاقتصاد المصري من حالة التخلف التي يعاني منها، والتي تنعكس في رداءة نوعية الحياة التي يعيشها المواطن، والانخفاض المستمر في مستوى معيشته، يهدف البرنامج إلى إحداث عملية تنمية اقتصادية، متوازنة قطعيًّا وإقليميًّا، ومستدامة زمانيًّا، ويتم ذلك باستخدام أشمل وأكفأ للموارد الطبيعية والبشرية والمالية والفنية المتاحة، والممكن إتاحتها، في إطار مرجعية النظام الاقتصادي الإسلامي، ومن خلال سياسات وإجراءات إنمائية ونقدية ومالية وتجارية، كلية وقطاعية، تتصدى بالمعالجة التشغيلية "الواقعية" المتدرجة لمشكلات الاقتصاد المالية والهيكلية، المزمنة والرئيسة.
المشكلات:
تشمل هذه المشكلات: انخفاض معدلات الادخار القومي وضعف التكوين الرأسمالي والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتدني معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي، وحدة الفقر الاقتصادي، وتفاقم مشكلة البطالة، والارتفاع الجامح في الأسعار، والعبء المتزايد للدين العام الداخلي والمديونية الخارجية، وزيادة الطاقات الإنتاجية العاطلة وضعف الإنتاجية، وضعف القطاعات السلعية (الزراعة والصناعة والتعدين والتشييد والبناء)، وتدهور مستويات القطاعات الخدمية (النقل والمواصلات والتخزين، والتجارة والمال، والسياحة، والصحة والتعليم، والخدمات الاجتماعية والثقافية والإعلامية)، وزيادة تلوث البيئة، وتفشي الفساد والاختلال المتزايد في الميزان التجاري والاختلال المزمن في ميزان المدفوعات، والاعتماد المتزايد على الخارج والتبعية الاقتصادية.
مرجعية النظام الاقتصادي الإسلامي:
ويستمد هذا البرنامج الاقتصادي مرجعيته مباشرةً وأساسًا من فلسفة وعناصر النظام الاقتصادي الإسلامي، والذي تتمثل غايته في عبادة الخالق تبارك وتعالى، عبادة بالمعنى الواسع، الذي يتضمن كل تصرفات الفرد، وعلى رأسها فرض تعمير الأرض تحقيقًا لطيب الحياة، وتوفيرًا لتمام الكفاية لكل فرد يعيش في المجتمع المسلم، مسلمًا كان أم غير مسلم؛ وفي ذلك يقول الأصوليون: إن البناء على المقاصد الأصلية يصيِّر تصرفات المكلف كلها عبادات، كانت من قبيل العبادات أو العادات.
ومن ثمَّ يقوم النظام على قاعدة أن الأصل في المعاملات "الحِل" أخذًا بالأسباب وتعميرًا للأرض، وعلى الجمع في توازنٍ دقيقٍ وتزاوجٍ فطري بين الروح والمادة، والفرد والجماعة، والعبادات والمعاملات، مؤكدًا على تكامل هذه الثنائيات لا تنافرها، في عدالةٍ واعتدال، ودون إفراط أو تفريط، ومحددًا أدوار العمل ومسئوليات القطاعات- الوظيفية والإنتاجية-، وواضعًا الضوابط الحاكمة للأداء، والمعايير العادلة لتوزيع الناتج، لمنع كل الممارسات الخاطئة، الممكن حدوثها إنسانيًّا، والتي تعوق مسيرة المجتمع نحو حياةٍ أفضل.
وعلى ذلك، يقوم النظام من خلال رقابة ذاتية متيقظة على التنفيذ في كافة المستويات، ووفقًا لإجراءات محددة للتوجيه والمتابعة والتقويم والمساءلة والثواب والعقاب، بتصحيح آني لما يقع من انحرافات.
ومن ثمَّ، يعالج النظام- عمليًّا- كل صور الانحرافات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مؤكدًا التحريم الصريح والقاطع: للقهر والاستبداد، والظلم والاستغلال، والربا والغرر، والرشوة والمحسوبية، والاحتكار والاكتناز، والتطفيف والبخس، والإسراف والتقتير، والغش والتدليس، والتزوير والتزييف... إلى آخر صور القهر السياسي والتخريب الاجتماعي والفساد الاقتصادي ، ومن ثمَّ، يقوم هذا النظام على أخلاقيات الإسلام كمتغير داخلي في آليته، ومحرك رئيس لفاعليته.
* ولتحقيق غايته في عبادة الله وتعمير الأرض، ولإنجاز مقاصده التفصيلية والمتمثلة في حفظ فطري وتعميري للدين والنفس والعقل والمال والنسل، جعل العمل جزءًا أساسيًّا من العبادة، والتكافل الاجتماعي من خلال الزكاة والصدقات التطوعية والنفقات المفروضة ركنًا أصيلاً من بنيانه، والمشاركة الشعبية من خلال الشورى أداة رئيسة لحياة سياسية سليمة لتيسير الاقتصاد والمجتمع.
وينطلق النظام من حقيقة إيمانية، وهي أن الإنسان خليفة الله سبحانه وتعالى في الأرض: ملكيةً، وتثميرًا، وتعميرًا، وتكافلاً، وشورى، وتربيةً، وإخاءً وقدوةً.
* ويتم النشاط الاقتصادي، وفقًا لهذا النظام من خلال السوق الإسلامية، التي تقوم على أساس آليات "المنافسة التعاونية"، المنضبطة والشريفة، من حرية اقتصادية مقيدة، تحكم إنتاج "الطيبات"، ومن خلال قوى العرض والطلب، وميكانيكية الأثمان، ووفقًا للمفاوضات المالية العادلة المؤسسة على المشاركة في الربح والخسارة، والقائمة على صيغ التمويل والاستثمار الإسلامي، الحقيقي والمخاطر، وعلى أساس نظام أولويات واضح ومحدد، يبدأ بالضروريات فالحاجيات فالتحسينيات، وفي ظل ملكية "متعددة" تشمل الملكية العامة، وملكية القطاع العام، والملكية الخاصة (جوهر موضوع الملكية في الإسلام)؛ شريطة أدائها لوظيفتها الاجتماعية من صدقات مفروضة وتطوعية وغيرها من النفقات؛ تحقيقًا لعدالة التصرف في المال، وإقامة للتكافل الاجتماعي، وضمانًا لأكفأ استخدام ممكن للموارد خلال الزمن، ومن خلال دور محدد للدولة على أساس الولايات السلطانية (الإدارات)، وبصفة خاصة ولايات الحكم والقضاء والمال والحسبة، وعن طريق أنظمة القطائع والحمى والتحجير والإحياء والوقف.
* ووفقًا لهذا النظام، واستنادًا إلى فرض الكفاية "وفي إطار نظام الأولويات الإسلامي، وفي حدود الاستطاعة البشرية والإمكان المادي، يتم القيام بالجهد الإنمائي المستدام. وعلى أساسٍ من التكامل والتوازن والتدرج، يبذل هذا الجهد في كافة القطاعات، مؤسسيًّا أو وظيفيًّا: القطاع العام والقطاع الخاص، وإنتاجيًّا: القطاعات السلعية والقطاعات الخدمية، وسلعيًّا: الزراعة والصناعة، وصناعيًّا: الصناعات الثقيلة والصناعات الاستهلاكية، وإقليميًّا: المناطق الريفية والمناطق الحضارية، ودوليًّا: منتجات إحلال الواردات ومنتجات تنمية الصادرات، وتكامليًّا: التكامل العربي والتكامل الإسلامي. ويتم هذا الجهد، وفقًا لخطط إنمائية "تأشيرية"، مترابطة ومتناسقة من حيث الوسائل والأهداف، وواقعية من حيث الإمكانات والقدرة على التنفيذ.
* ويقوم استخدام الموارد وفقًا لهذا النظام على أساسٍ شاملٍ ومتوازن، لا يعرف إهدار الإمكانات أو تبديد الطاقات.
ويستند هذا الاستخدام إلى دورٍ محددٍ للدولة أو القطاع العام يتركز في تنمية الهياكل الأساسية والمرافق العامة، والمشروعات الإستراتيجية، خاصةً التي يحجم عن الدخول فيها القطاع الخاص، إما لكبر حجم التمويل المطلوب لها، أو لارتفاع درجة مخاطرها أو لتدني العائد المتوقع منها، أو لعدم تحقيق عائد إلا بعد آجال طويلة نسبيًّا، أو لبعض أو كل هذه الأسباب.
هذا، بالإضافة إلى المهمة الأساسية للدولة، والتي تتمثل في العمل المستمر على قيام بيئة "صحية"، ومناخ استثمار "مناسب" محيط بالعملية الإنتاجية، جوهره حماية كرامة الإنسان واحترام آدميته والحفاظ على حريته وصيانة حقوقه.
أما الدور الرئيسي في الاستخدام الكفء للموارد وإحداث التنمية المستدامة، كهدفٍ لهذا النظام، ومن منطلق تكامل وتعاون مع الدولة والقطاع العام، فهو مسئولية القطاع الخاص، أي الأفراد، أو الناس، الذين يقومون بتبعة "الاستخلاف"، ويتحملون مسئولية إعمار الأرض، حتى تحدث التنمية المستدامة على أرض الواقع، لتشمل "توليفة" متكاملة من المشروعات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، وفقًا لاحتياجات وتطلعات أفراد المجتمع المشروعة والمنضبطة، وعلى أساس تكنولوجيا مستنبتة ومطوّعة لتتفق مع المرحلة التي يمر بها الاقتصاد، والظروف التي يعيشها المجتمع، وتتمشى مع خصائص الموارد الإنتاجية المتاحة؛ ومن ثمَّ يبدأ التيار التعميري يسري في الجسد المتخلف، وتحدث التنمية المستدامة خلال الزمن.
* ويتولد النشاط الاقتصادي وفقًا لهذا النظام، ليس بطريقةٍ عشوائية، وإنما بحض مسئول ومنضبط على الإنفاق بمكوناته الثلاثة: الاستهلاكي والاستثماري، والصدقي بشقيه: الاستهلاكي والاستثماري. على أساس أن الإنفاق هو في حقيقة الأمر، الناتج الكلي من زاوية المستخدمين لهذا الناتج، مستهلكين ومنتجين, فبدون إنتاج لا يوجد دخل أو "كسب"، وبدون كسب لا يوجد إنفاق، وبدون إنفاق لا يتصور وجود أسواق، وبالتالي لا يتولد إنتاج. ومن ثم لا تقوم أصلاً دورة النشاط الاقتصادي، فالحض على الإنفاق، بمكوناته وضوابطه، هو حض على الإنتاج والكسب؛ أي دفع لعجلة إعمار الأرض.
* وأخيرًا، يقوم هذا النظام على حقيقة أن الطريق السوي "العادل" لنماء المال هو الاشتراك الفعلي في النشاط الاقتصادي. فلا يوجد كسب "طيب" بدون عرق وجهد ومخاطرة. ومن ثمًَّ، لا يوجد فرد أو فئة أو طبقة، في ظل هذا النظام، تعيش على عرق وجهد ومال الآخرين، فالكل ينتج ويشترك في الإنتاج ويتحمل المخاطرة.
ويتم توزيع الناتج وفقًا لمعايير توزيع "عادلة" تتناسب مع الجهد المبذول أو المخاطرة المتضمنة أو وفقًا للتكافل الاجتماعي المنشود، وهذه المعايير هي: "الأجر" العادل لمَن يعمل أجيرًا، و"الضمان" أي المخاطرة- ربحًا كانت أم خسارة- للمال لمَن يخاطر بماله بالاشتراك الفعلي في العملية الإنتاجية، وفقًا لصيغ وأساليب الاستثمار الإسلامي المؤسسة على عقود الشركة وعقود البيوع وعقود الإجارة، ثم "الحاجة" لغير القادرين- جزئيًّا أو كليًّا- فبالنسبة لهذه الفئة الأخيرة، توجد مسئولية الدولة وبقية أفراد المجتمع، القادرين، في عملية التوزيع و"إعادة" التوزيع- من خلال الصدقات المفروضة، وعلى رأسها الزكاة، والصدقات والتطوعية وغيرها من النفقات، ومن خلال "التوظيفات المالية"؛ أي الضرائب، وفقًا لمعايير الحاجة لتوفير الحياة الطيبة الكريمة للفقراء والمساكين.
* ومن المعروف في أدبيات "التنمية" أن المناهج أو الإستراتيجيات الإنمائية الوضعية "الشمالية" (التي استمدت من فكر وتطبيق الدول المتقدمة)، لم تسهم في معالجة "التخلف" في دول "الجنوب"، وإنما ساهمت في تعميقه، وذلك خلال أكثر من نصف قرن؛ حيث ضاع الإنسان في خضم توجيهاتها وآلياتها "المادية". وبغض النظر عن تعريف "التنمية"، فإن ما حدث من نمو في بعض الدول المتخلفة ومنها مصر، إذا كان شيئًا يُذكر، فهو "نمو بدون تنمية"، بل في حقيقة الأمر، وفي أغلب التجارب، ومنها مصر، ما حدث كان "تنمية للتخلف"، أي أن مشكلة التخلف زادت حدة، وتفرخ وتفرع عنها، وكنتيجة طبيعية لها وكتفصيل لمجملها العديد من المشكلات، التي عددناها في صدر هذه السطور، والتي تطحن "الإنسان" وتهدر كرامته، وتبدد طاقاته وجهوده الإبداعية، فيعجز بالتالي عن القيام بمسئولية "تعمير" الأرض.. ومظاهر ودروس الفشل على الصعيد العالمي لا يمكن إنكارها.
فبسبب الإهمال النسبي لقيمة ودور الإنسان، كانت المحصلة النهائية أن أكثر من أربعة أخماس البشرية يعيشون حالة حادة من التخلف الاقتصادي والاجتماعي، ومع ذلك، يوجد لهذه الصورة القاتمة استثناءات واضحة، تتمثل في دول جنوب شرق آسيا، ومنها ماليزيا الإسلامية.. فهذه الحالات الاستثنائية، والتي تُمثل جزرًا صغيرة في بحر التخلف، تؤكد حقيقة ما توصلنا إليه من الأهمية الإستراتيجية للاعتبارات الإنسانية في عملية التنمية، وعليه فإحداث التغيير المنشود في طريق "التعمير" المستدام يتطلب أولاً وقبل كل شيء تطهير الحياة الاقتصادية من جميع أشكال الظلم، وبالتالي تهيئة المناخ "المناسب" لكي يتعامل "الناس" تعاملاً تعميريًّا فاعلاً مع "الأشياء".
فبدهيًا، الإنسان هو المحرك الأساسي للنظام الاقتصادي، وهو بالقطع الكائن الحي المسئول عن مستوى الأداء والإنسان "المظلوم" أي المقهور والمستغل "كَلٌّ" على مجتمعه لا يقدر حقيقةً على شيء، فالمشكلة إذن لم تعد "فقراء لا يملكون"، بقدر ما هي "فقراء مقهورون مستغَلَّون لا يعرفون" فعدم توافر قدر مناسب من المعرفة والحرية والعدل هو جوهر مشكلة التخلف.
وهنا، يأتي الإسلام دينًا ونظام حياة لإخراج البشرية مرةً أخرى كما أخرجها من قبل من ظلمات وتخبط حياة "ضنك" تحياها، مليئةً بكل شرور الضلال ودروب الفساد وصنوف الظلم وألوان الشقاء، فيقدم بقواعده العامة المتكاملة- العقائدية والأخلاقية والتعبدية والتعاملية- تطهيرًا حقيقيًّا للحياة البشرية، في حياة البشر وبقدرات البشر، بالعمل الدائب على استئصال هذه الشرور، وبالتصحيح الدائم لهذه الانحرافات من خلال نظامه الاقتصادي، فهذا النظام التعميري يعيد- كشريعة- الأشياء في المجتمع الإنساني إلى طبيعتها، ويرد- كمنهاج- قضية التعمير إلى عمادها وهو الإنسان، فالإنسان وفقًا لهذا النظام هو أهم وأسمى منْ وما في هذا الوجود، وهو بحق الوسيلة الرئيسة لعملية التعمير، وهو في الوقت ذاته غايتها، شريطة أن يتحرر من القهر السياسي والاستغلال الاقتصادي، فالإنسان "الحر" "غير المستغل" هو الإنسان الذي يستطيع فعلاً أن ينهض بالتحاكم إلى منهج الله تعالى في كلِّ شئون حياته، بمسئولية "تعمير" الأرض، كفريضة تعبدية، يمثل الالتزام بها غاية التكليف، ومن ثمَّ، فبالشرك يكون "ظلم" الإنسان، وبالتالي "التخلف"، وبالتوحيد تكون "حرية" الإنسان و"عدالة" النظام الذي يعيش في كنفه، فيحدث "التعمير" المستدام.
وعلى هذا الأساس المتين، يختار المجتمع بملء إرادته الحرة الآلية العملية والإستراتيجية "الفنية" التي تتناسب مع الخصائص والإمكانات الإنتاجية المتاحة لديه لإحداث التعمير، وفقًا لمقاصد محددة، ونظام أولويات منضبط، وسوق تنافسية تعاونية، وتحريم قاطع لكل صور الاستغلال، وصيغ استثمار حقيقي ومخاطـر، وحض على الإنفاق، وسياسات اقتصادية رشيدة، ودور محدد للدولة، وتوزيع عادل للدخل والثروة... إلى آخر العناصر الإيجابية الفاعلة للنظام الاقتصادي الإسلامي.
الفصل الثاني
السياسات الإنمائية
سياسات تنمية الاقتصاد:
في ضوء مرجعية الاقتصاد الإسلامي ومعالجة لمشكلات الاقتصاد وتحقيقًا للتنمية المتوازنة والمستدامة، يتبنى البرنامج إستراتيجية تنمية اقتصادية واجتماعية تقوم بالإنسان ومن أجل الإنسان، وتستند إلى الاعتماد الجماعي على الذات، وتتكون هذه الإستراتيجية من "حزمة" من السياسات الإنمائية والنقدية والمالية والتجارية، وتعتمد "آليات" اقتصاد السوق، وتأخذ بأسلوب التخطيط التأشيري، الذي يجمع بين الكفاءة الإنتاجية والبعد الاجتماعي، وذلك على النحو التالي:
السياسات الإنمائية
تتأسس هذه السياسات على محورين رئيسين؛ هما النمو الكلي والنمو القطاعي
1. محور النمو الكلي
لتحقيق نوعية حياة طيبة وكريمة للمواطن المصري برفع محسوس لمستوى العمالة وكفاءة استخدام الموارد والإنتاجية، وتخفيض ملموس في مستويات الدين العام والعجز المالي الداخلي والخارجي، وضمان الاستقرار السعري، واستعادة الثقة في العملة الوطنية، يتعين إنجاز رفع متزايد لمستويات النشاط الاقتصادي، وهذا يعني ضرورة تحقيق معدلات متصاعدة في الناتج المحلي الإجمالي بما يفوق وبشكلٍ متزايد خلال الزمن معدلات النمو السكاني، حتى يزيد وباضطراد متوسط الدخل "الحقيقي" للفرد.
ويتطلب تحقيق هذا النمو الكلي، الذي يُقدَّر بنحو (7%) إلى (9%) سنويًّا في الناتج المحلي الإجمالي، استثمارات قومية تُقدَّر بحوالي (28%) إلى (36%) من هذا الناتج، على أساس معامل رأس مال/ إنتاج في حدود (4: 1) على المستوى الكلي، يضمن الاستخدام الكفء لتكنولوجيا متطورة، مع تطبيق فنون إنتاجية كثيفة العمل، ومع قصور القدرة الادخارية في الاقتصاد؛ إذ تقدر المدخرات المحلية في أقصى تقديرٍ لها بنحو (17%) من الناتج المحلي الإجمالي تظهر الفجوة بين الادخار المحلي والاستثمار المطلوب، ويتم العمل على معالجة هذه الفجوة التمويلية من خلال إجراءين اثنين حشد مقصود للمدخرات المحلية بهدف تنميتها تحقيقًا للاعتماد على الذات، وتشجيع مخطط للاستثمارات الأجنبية المباشرة؛ وذلك على النحو التالي:
الإجراء الأول: حشد المدخرات المحلية، وذلك عن طريق:
تنمية الوعي الادخاري لدى الأفراد وتبصيرهم بحق الأجيال القادمة.
الحث على ترشيد الاستهلاك بعامة والإنفاق الحكومي بخاصة، والحث على عدم الإسراف والتبذير والإنفاق الترفي والمظهري.
إنشاء أوعية ادخارية تستوعب وتتناسب مع فئات الدخل المختلفة باستحداث منتجات مصرفية للتوفير والاستثمار.
ترشيد سوق الأوراق المالية (البورصة) كأداة رئيسة لتشجيع المدخرين من فئات الدخل المختلفة على توظيف أموالهم في استثمارات جديدة (السوق الأولية) بدلاً من المضاربة على توقعات الأسعار (السوق الثانوية).
ترويج ثقافة العمل الحر والتوظيف الذاتي، وتشجيع صغار المنتجين بإعداد خرائط بالمشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، بما يسمح بدخول الفئات الفقيرة في أنشطة مولدة للدخل، والاعتياد على السلوك الادخاري والاستثماري.
ترشيد الدعم بحصر والتأكد ممن يستحقه وفقًا لمعايير واضحة، والتأكد من وصوله فعلاً إلى مستحقيه مما يشجعهم على تخصص جزءٍ من دخولهم المحدودة لأغراض الادخار والاستثمار.
إنشاء صناديق استثمار مستقلة لجزء من أموال الزكاة والوقف للإنفاق على الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية للفئات الفقيرة، ومن ثم تحرير جزء من دخولهم المحدودة، مما يساعدهم على التوفير والادخار والاستثمار.
محاربة الفساد بتطبيق صارم للقوانين المتعلقة بمكافحته كقانون الإفصاح عن الذمم المالية، وقانون الكسب غير المشروع، وقانون حرية الوصول إلى المعلومات، وتطوير دور الرقابة للهيئات التشريعية، وتعزيزي دور هيئات الرقابة العامة، ورفع السرية عن تقاريرها، مما يعالج التشوهات الحادة في مناخ الاستثمار ويقلل من الخسائر في قطاع الأعمال والمؤسسات العامة، ويزيد من القدرة الادخارية للمجتمع.
الإجراء الثاني: تشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة:
رغم أهمية الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تغطية الفجوة بين الادخار المحلي والاستثمار المطلوب، خاصةً في ظل اتساع هذه الفجوة؛ نظرًا لاحتياجات الاقتصاد المتزايدة لاستثمارات جديدة فإنَّ أحدث تقرير للبنك الدولي حول ظروف الاستثمارات في دول العالم يكشف حقيقة أن مصر تحتل مرتبة متدنية كدولة جاذبة للاستثمار (141) من بين (155) دولة شملها التقرير وفي الواقع، الاستثمارات الأجنبية الموظفة في الاقتصاد أكثر تدنيًا عن الأرقام المنشورة عنها؛ لأنها تشمل استثمارات البترول والتي يحصل على قيمتها الشريك الأجنبي كحصةٍ من البترول المستخرج، وتشمل أيضًا حصيلة بيع أصول عامة لمستثمر أجنبي، وهي أصول قائمة فعلاً، ومن ثم لا تمثل إضافة إلى الطاقة الإنتاجية للاقتصاد المصري.
ومع ذلك يشدد البرنامج على ضرورة تشجيع هذا المورد التمويلي الخارجي، شريطةَ أن يتفق مع الأولويات الإنمائية للاقتصاد ولا يصطدم مع المبادئ العامة الحاكمة لعملية التنمية وفقًا للمرجعية المعتمدة، خاصةً أن التمويل عن طريق المداينة بفائدة مرفوض، إلا في حالة الضرورة أو الحاجة أو عموم البلوى، وعليه يعمل البرنامج على تشجيع الاستثمارات الأجنبية العربية أولاً، ثم بقية دول الجنوب ثم بقية دول العالم والمؤسسات الدولية؛ وذلك على النحو التالي:
وضع خرائط استثمارية مفصلة على مستوى أقاليم مصر، تشمل تعريف بالمشروعات الإنمائية المرشحة من حيث جدواها الفنية والاقتصادية، وبما يتفق واحتياجات عملية التنمية من تحديث للعملية الإنتاجية واستخدام تكنولوجيا جديدة وزيادة قدرة مصر التصديرية مع استقدام عمالة أجنبية في أضيق الحدود في مجالات الإدارة العليا أو التخصصات النادرة شرط الأمانة والخبرة.
توافر قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة ومتاحة لكل مَن يطلبها، عن مختلف مجالات النشاط الاقتصادي، والقوانين واللوائح والإجراءات المتعلقة بهذه المجالات، مع توحيد هذه البيانات.
تحسين مناخ الاستثمار وتنقيته من البيروقراطية المعوقة والفساد المستشري في شتى قطاعات الاقتصاد ومؤسسات الإدارة العامة.
العمل على توافر المقومات الأساسية للعملية الاستثمارية من استقرارٍ سياسي وإدارة رشيدة للسياسة الاقتصادية الكلية، واستقرار في مستوى الأسعار وأسعار الصرف، واستقرار البيئة التشريعية، وتشجيعٍ للقطاع الخاص، واعتدال النظام الضريبي والجمركي، وتوحيد المعاملة الضريبية والجمركية وعدم التمييز بين المتعاملين في النشاط الواحد.
2. محور النمو القطاعي
في إطار النمو الكلي ومحدداته، وتحقيقًا لأهداف عملية التنمية المستدامة بإتباع أسلوب التخطيط التأشيري توزع المهام والمسئوليات الإنمائية التفصيلية على القطاعات الوظيفية والإنتاجية المختلفة؛ وذلك على النحو التالي:
القطاعات الوظيفية والخصخصة
يعتبر القطاع الخاص هو القاطرة التي تقود التنمية في ظل اقتصاديات السوق، و لكن الخطأ الذي وقعت فيه الحكومات أنها – و قبل أن تطمئن إلى وجود ذلك القطاع الخاص القوي و القادر علي تحمل مسئولياته – تخلت عن القطاع العام الذي حالت بينه و بين التجديد و التوسع و جمدت استثماراته، و هكذا نشأت فجوة أثرت و بشدة علي النشاط الاقتصادي : فمن ناحية – لم يتم بعد خلق القطاع الخاص القوي، و من ناحية أخرى : القطاع الخاص مجمد، و تخلت الدولة أيضا عن دورها في الرقابة والإشراف علي القطاع الخاص الناشئ و توجيه نشاطاته نحو أولويات التنمية.
و يعود ذلك الي عدم القدرة علي مواجهة الآثار الاجتماعية للخصخصة أو عدم التوازن بين اعتبارات الكفاءة الاقتصادية و الاجتماعية، وربما يعود السبب في ذلك إلى عدم القدرة علي تخصيص الاعتمادات اللازمة لتمويل الفراغات الناجمة عن انسحاب الدولة من مسئولياتها العامة.
و جدير بالذكر أن دفع عملية التنمية يقتضي أن يرتاد رجال الأعمال و حائزوا الأموال مجالات جديدة و يقوموا بتأسيس شركات جديدة و ذلك لتفعيل دور القطاع الخاص في دفع عملية التنمية، بدلا من الابتعاد عن تحمل المخاطر، و التكالب علي ما هو قائم وفقا لمبدأ تسليم المفتاح.. إذ أن تطوير ما هو قائم يمكن انجازه من خلال عمليات خصخصة نظم الإدارة و الحوافز في شركات القطاع العام، في حين أن توسيع رقعة القطاع الخاص يكون بتأسيس وحدات جديدة تضيف إلى الطاقات الإنتاجية و توسع فرص التوظف في المجتمع.
و إذا حاولنا رصد أهم نتائج برنامج الخصخصة، فانه يمكن تركيزها علي النحو التالي :
1- أدت عمليات الخصخصة إلى قطع الطريق علي تنفيذ استثمارات خاصة جديدة يحتاجها الاقتصاد،2- حيث أن الأموال التي دفعها القطاع الخاص لشراء أصول القطاع العام لا تعني سوي تمويل تداول أصول قائمة بالفعل،3- بدلا من استخدامها في بناء استثمارات جديدة،4- و بالتالي فان الخصخصة لم يمولها القطاع الخاص من فوائض مالية لديه،5- وإنما مولها مما كان سيخصصه للاستثمار،6- مما حرم الاقتصاد من عامل مهم لتنشيط النمو،7- وأسهم – إلى جانب عوامل أخرى – في دخوله فيما سمي بأزمة السيولة التي هي في الحقيقة أزمة تراجع و ركود.
8- بيع جانب من الأصول المملوكة للدولة اقتصر علي أفضل الشركات الرابحة،9- و استخدام عائد البيع في أغراض غير بناء أصول إنتاجية جديدة،10- و هو ما أدى إلى تحجيم القطاع العام و تقليل قدرة الدولة علي القيام بالدور المنوط بها و المتمثل في تحديث اقتصاد غير متقدم و دفعه للأمام.
11- أسهمت عملية الخصخصة في تكريس السمة الأساسية لفئة خاصة من الرأسماليين مفتقده روح الاقتحام و المبادرة،12- فكانت عملية الخصخصة برمتها بيع لمشروعات جاهزة و غالبيتها الساحقة تحقق أرباحا و لها سوقها الرائجة،13- و لا تنطوي علي مخاطرة.
14- أدت عمليات الخصخصة إلى ظهور عمليات فساد تتفاوت حدتها،15- و هناك العديد من صفقات الخصخصة التي ثار الكثير من الجدل حولها ( المراجل البخارية،16- الأهرام للمشروبات،17- النصر للإسكان،18- فندق آمون أسوان،19- حصة بنك الإسكندرية في البنك المصري الأمريكي،20- بيع 20% من أسهم الشركة المصرية للاتصالات،21- عمر أفندي،22- مصنع الغزل و النسيج ببورسعيد،23- شركة إسكو..)
في ضوء الخلفية السابقة و من واقع الدراسات العديدة التي أجرتها هيئات دولية ( من بينها البنك الدولي)، يمكن أن نحدد ابرز التحفظات و المحاذير علي عملية الخصخصة فيما يلي :
فيما يتعلق بالعمالة : يتعين إيجاد الحل المقبول اجتماعيا للعمالة التي يتم الاستغناء عنها، من خلال عدد من الحلول المقترحة، من بينها :
تحمل الحكومة أو صناديق معينة أو المشروعات التي يتم تخصيصها بتكلفة صرف معاشات كاملة للعمال و الموظفين الذين يخرجون من سوق العمل قبل السن القانونية.
توفير فرص عمل بديلة للعمالة التي يتم الاستغناء عنها.
التدريب التحويلي للعمالة بقصد تمكينها من العمل في وظائف او مجالات جديدة.
توفير قروض ميسرة لجزء من العمالة القادرة و الراغبة في تولي مسئولية اقامة مشروعات صغيرة جديدة في قطاعات ذات أولوية.
فيما يتعلق بالدعم : من بين الحلول المقترحة لهذه المشكلة ما يلي :
تحمل الدولة بتكلفة دعم مؤقتة و مبرمجة للمشروعات.
تقديم إعانات مؤقتة للمنتجين.
مراقبة مستمرة للأسعار من خلال جهاز مخول بذلك قانونيا.
تقديم بدل نقدي للمستهلكين المضارين من خفض أو إلغاء الدعم السلعي.
فيما يتعلق بموضوع المنافسة والاحتكار : يجب توفير الآليات التشريعية والتنظيمية اللازمة، ويقصد بذلك :
تفعيل قانون تنظيم المنافسة ومنع الاحتكار.
فيما يتعلق بصعوبة تقييم الأصول : يثور جدل و اختلاف كبير حول أسس التقييم، مما يستدعي اللجوء إلى أجهزة تتمتع بالتخصص و النزاهة و الحيادية و القدرة الاحترافية.
و من ثم.. فان وجود دور فعال للدولة بوصفها شريكا و محفزا و مسهلا أمر لابد منه لتحقيق الرؤية الشاملة للتنمية المستدامة، لذلك فان للدولة دورا مهما عليها أن تنهض به، من خلال التعليم و الحوافز والروادع، فإذا لم تنهض الدولة تنهض الدولة بهذا الدور بالفعل.. كان له تأثير سلبي علي التنمية و الرفاهية الاقتصادية، بل ربما يؤدي ذلك إلى الفوضى الاجتماعية و الانهيار الاقتصادي.
و مع تعاظم التوجه نحو زيادة دور القطاع الخاص، فمن الضروري أن نؤكد علي استمرار أهمية دور الدولة في إدارة الاقتصاد، فاقتصاد السوق ليس مجرد إعطاء مزيد من الحرية للقطاع الخاص، بل لابد و أن يندرج ذلك في منظومة متناسقة من النظم القانونية و الاقتصادية و السياسية التي تحقق هذا الغرض، و يقصد بذلك :
1- تفعيل آلية السوق التي تؤدي إلى كفاءة تخصيص الموارد و تفعيل المنافسة الكاملة التي لا تتوافر إلا بتنظيم حكومي.
2- هناك حجم امثل للمشروع يحقق النفقات المتناقصة لا توفره المنافسة و يحتاج إلى التدخل الحكومي.
3- الحاجة إلى قانون ينظم العلاقات التجارية لتنظيم المبادلات و العقود.
4- أن الإنتاج الخاص لبعض السلع لا يحقق الكفاية،5- خصوصا حين ترجع الوفورات الخارجية و يحتاج إلى مساهمة القطاع العام.
6- لابد من رعاية الفقراء،7- و يحتاج الأمر إلى إعادة توزيع الدخل.
8- يتعرض العمال للبطالة و يحتاج الأمر إلى تدخل الدولة.
أما فيما يتعلق باليات التنفيذ من خلال الخصخصة : فهي لا تعني أن نتحول إلى أسلوب البيع، لأنه يوجد أشكال وبدائل و صيغ للخصخصة قد تتنوع و تختلف من دولة لأخرى حسب ظروف كل دولة، و يمكن تقسيم هذه الأساليب إلى ثلاث مجموعات تتضمن :
1. أساليب البيع الكلي أو الجزئي لحصة الحكومة أو القطاع العام في ملكية الشركة عن طريق الطرح العام للأسهم في سوق المال.
2. أساليب لا تتضمن عملية البيع،3. و لكنها تقوم علي تفعيل قوي السوق في إدارة وتشغيل موارد القطاعات تحت الخصخصة.
4. أساليب تتم عن طريق التفويض أو التوكيل من الحكومة إلى القطاع الخاص للقيام بأداء الأعمال الصالحة أو لحساب الدولة بموجب عقود الإدارة أو التأجير التمويلي.
حصيلة البيع : الحكومة قد تصرفت في عائد الخصخصة علي نحو من شانه أن يقلل الموارد المالية المتاحة للاستثمار، بالإضافة إلى أن معظم ما تم خصخصته من شركات قد تم تمويله محليا من المدخرات أو عن طريق تقديم تسهيلات ائتمانية من البنوك المصرية، ومن ثم لم تؤدي إلى خلق طاقات إنتاجية جديدة، بل استخدمت لتمويل طاقات إنتاجية قائمة بالفعل... هذا في الوقت الذي استخدمت الحكومة الأموال في تمويل المعاش المبكر أو سداد قروض القطاع العام.. و هكذا، و لم تعد هذه الأموال للتدفق مرة أخرى في شرايين الاقتصاد في صورة استثمارات جديدة، و بذلك تكون النتيجة النهائية للخصخصة هي تخفيض الموارد المتاحة للاستثمار... مما ساهم فيما نعانيه من ركود و بطالة.. الخ.
فالحكومة لم تنجح في التوصل إلى تصور علمي صحيح حول دور الدولة في ظل التحول إلى نظام السوق، خصوصا حول دورها الاستثماري، فضلا عن دورها في الإشراف و الرقابة، و ذلك تحت تأثير جماعات الضغط من بعض العناصر داخل السلطة و خارجها، و التي تدعو عن وعي و عدم وعي إلى تقليص دور الحكومة في التأثير علي مختلف المتغيرات الاقتصادية و السياسية.
نمو القطاعات الإنتاجية
يمثل نمو القطاعات الإنتاجية (السلعية والخدمية) عصب عملية التنمية – ولتناول بعض القطاعات الخدمية في أجزاء أخرى من البرنامج، يركز هذا الجزء على تحديد الملامح الرئيسة لتنمية قطاعات : الزراعة والصناعة والإسكان والنقل والمواصلات والسياحة على الترتيب.
1- الزراعة والري والإنتاج الحيواني و الثروة السمكية
تتمتع مصر بموارد زراعية متعددة تتمثل أساساً في خصوبة أرضها الزراعية، واتساع الرقعة القابلة للزراعة، وتدفق نهر النيل، وتوافر خزان ضخم من المياه الجوفية في الصحراء الغربية، وخبرة فلاحيها التي تراكمت عبر آلاف السنين، ومع ذلك يعاني هذا القطاع من اختلالات هيكلية ترجع بالأساس إلى ضعف الاستثمارات الموجهة لتنميته، وحدة التشوهات في سياسة تسعير الحاصلات الزراعية، وبالذات القطن والحبوب الغذائية، وعدم القدرة على التطور التكنولوجي والفني فيما يتصل بالملكية الزراعية والاستخدام الأمثل للمياه والبذور والأسمدة والمبيدات وعدم توفير الائتمان الزراعي بآجال وأسعار مناسبة، وعدم توافر خدمات تسويقية كافية، وزحف متزايد للبناء على الأراضي الزراعية، وهجرة متزايدة للعمالة الزراعية إلى المدن إلى آخر هذه المشكلات، وكانت النتيجة انخفاض في الإنتاجية وفجوة غذائية حادة، وبالذات في الحبوب والاعتماد في تغطيتها على الخارج، وتراجع حاد في القدرة التصديرية للسلع الزراعية التقليدية: القطن والقمح والأرز والبقول والحمضيات، لدرجة تهدد بخروج مصر من المنافسات في السوق الدولية.
ولإحداث تنمية زراعية شاملة تحقيقاً للاكتفاء الذاتي وبخاصة الحبوب وإنتاج اللحوم والأسماك، وإعطاء دفعة قوية للتصدير، يحدد البرنامج عناصر إستراتيجية التنمية الزراعية فيما يلي:
زيادة الرقعة الزراعية عن طريق إحياء المشاريع العملاقة مثل مشروع تنمية سيناء، مشروع تنمية الساحل الشمالي، مشروع جنوب الوادي وشرق العوينات، مشروع تنمية حلايب وشلاتين وغيرها مع ترتيبها وفقا للأولوية.
سياسة زراعية تضمن إحداث تغيير في التركيب المحصولي بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي في محاصيل الحبوب والزيوت والألياف والأعلاف وإنتاج محاصيل ذات قيمة مضافة عالية للتصدير كالمحاصيل البستانية والخضروات والفاكهة.
ترشيد استخدام المياه عن طريق رفع الوعي الثقافي من خلال العقيدة وتطوير نظم الري القائمة في الأراضي القديمة ورفع كفاءة الري، نشر واستخدام نظم الري الحديثة (الرش والتنقيط) في الأراضي الجديدة.
تطوير جهاز الإرشاد الزراعي لنشر التطبيق التكنولوجي والفني في العمليات الزراعية لضمان الاستخدام الأمثل للمياه والأسمدة والمبيدات والبذور وربط العملية الإنتاجية بمؤسسات البحث العلمي والتكنولوجي.
تطوير التعاونيات للقيام بدورها في توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي والحيواني والداجني والسمكي باستخدام أحدث وسائل التقنية العلمية.
إتاحة الائتمان الزراعي بآجال وأسعار مناسبة للعمليات الزراعية المختلفة.
إنشاء جهاز تسويقي يهدف إلى ضبط العمليات الإنتاجية وربطها باحتياجات السوق والتصدير بحيث يضمن عدم التذبذب في أسعار المنتج الزراعي.
إعداد وتنفيذ سياسة سمادية تضمن تغطية احتياجات قطاع الزراعة من الأسمدة وذلك عن طريق تطوير المنتجات السمادية وحسن استغلال الفضلات و تدويرها والتوسع في بناء مصانع جديدة وتشجيع الاستثمار في مجال تصنيع الأسمدة.
تشجيع الاستثمار الخارجي والداخلي في المجال الزراعي من خلال توفير مناخ اقتصادي مناسب وحوافز مشجعة، مالياً وفنياً.
تحقيق الاكتفاء الذاتي من إنتاج التقاوي المحسنة ذات الجودة العالية بما يتماشى مع التركيب المحصولي.
حماية الأراضي القديمة باعتبارها محميات طبيعية لا يجوز الاعتداء عليها.
تنشيط الاتفاقات المصرية – العربية، المصرية – الأوروبية بما يحقق أقصى استفادة فيها من خلال:
الاتفاقيات المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا (الكوميسا) والبحث عن فرض تصديرية عالية.
اتفاقية الشراكة المصرية الأوروبية ورفع القيود على المنتج المصري ذو الجودة العالية.
الاهتمام بالتعليم الزراعي من خلال:-
1. إقامة وتنفيذ مشروع الجامعة الزراعية أسوة بالتجارب الناجحة في دول أخرى مثل باكستان والهند على أن يكون نواتها مركز البحوث الزراعية.
2. دعم التعليم الزراعي الفني والعالي والبحث العلمي.
3. ربط البحث العلمي بخطة الإنتاج.
· إزالة العوائق لتحقيق التكامل الزراعي مع السودان لتحقيق الأمن الغذائي في المجال الزراعي.
· الاهتمام والحفاظ على الأصول الوراثية والصحة النباتية الزراعية لكل المحاصيل والنباتات المصرية والسلالات المتميز في الإنتاج الحيواني.
· تطوير التصنيع الزراعي للمحافظة على المنتج الزراعي وتصديره وضمان ثبات الأسعار.
· توفير البروتين الحيواني والداجني والأسماك. وذلك عن طريق توفير الأعلاف بأحدث الوسائل التقنية والعلمية.
· حظر استخدام المبيدات الممنوعة دوليا وتشجيع المكافحة البيولوجية.
2- الصناعة والطاقة والتعدين
يُعدُّ التصنيع مرادفًا لتنمية ناجحة، ويمثل في مصر المحرك الرئيس لتحقيق هذه التنمية إذ تقدر مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلى الإجمالي بحوالي 17.5% بالإضافة إلى العلاقة التشابكية القوية التي تربطه بباقي القطاعات الإنتاجية والخدمية.
ولقد بدأت حركة التصنيع منذ أكثر من سبعين عامًا، وكانت مصر أسبق من دول شرق آسيا والهند، ولكنها طبقت سياسة إحلال الواردات، وكان هذا صحيحًا في المراحل الأولى من التنمية، إلا أنها ظلت متمسكة بها بعد استنفاد إمكانيات التصنيع الإحلالي في السلع الشعبية، ولم تنجح في النهاية بسبب البيروقراطية المعوقة للقطاع العام، في التحول نحو التصنيع التصديري، كما فعلت دول شرق آسيا.
ومن ثم تخلفت الصناعة المصرية، وظلت حبيسة السوق المحلية في ظل سياسة حمائية شديدة وأسعار صرف مغالى فيها فتدهورت جودة منتجاتها وارتفعت أسعارها، وأصبحت غير قادرة على المنافسة الجادة في السوق الدولية.
وبعد تحرير الصناعة، وفي ظل عملية الخصخصة وما يفرضه النظام التجاري الدولي الجديد، ومع الأخذ في الاعتبار خطر الاعتماد على المصادر الريعية للاقتصاد المصري (قناة السويس، والبترول، والسياحة)، وحتى تحويلات العاملين في الخارج، فلا مناص من انطلاقة صناعية حقيقية تقوم على السياسات والاستراتيجيات التالية:
تحقيق التكامل بين الوزارات والهيئات والمؤسسات المعنية بالصناعة والطاقة والتعدين، وذلك بإنشاء مجلس أعلى يضم كافة الجهات ذات الصلة بهذه القطاعات الثلاث.
تضافر جهود الدولة والقطاع الخاص لإنشاء قاعدة صناعية متكاملة للصناعات الإستراتيجية، وتعظيم الاستفادة من هذه القاعدة في إنتاج مدخلات الصناعات الاقتصادية.
إعداد وتنفيذ السياسات العامة التي تهدف إلى صيانة الثروة الصناعية القائمة وتعظيم الاستفادة من هذه الثروة بتحديثها ورفع كفاءتها.
دعم وتطوير المواد والتقنيات الصناعية الملائمة للظروف والخامات المحلية، وتفعيل آليات نقل وتوطين وتطوير التقنيات،وذلك بزيادة الإنفاق على البحث العلمي والاستعانة بالخبرات الداخلية والخارجية، وتوفير المناخ الملائم من خلال التوسع في إنشاء الحاضنات التقنية وصياغة نظم تحفز الابتكار والإبداع في العلوم التطبيقية.
تبنى خطة قومية للنهوض بالصناعة المصرية تقوم على منهجية التسلسل الصناعي المتلاحق والذي يبدأ بصناعة المواد الإنشائية بالصناعات الهندسية ثم الصناعات الوسيطة والنهائية وذلك لتقليل التكلفة الكلية، وتعظيم الناتج المحلى في إنشاء المنظومة الصناعية.
العمل على وضع مواصفات قياسية شاملة للمنتجات الصناعية والحزم في تطبيقها ورفع مستوياتها في بعض المنتجات وبخاصة المواد الإنشائية لمضاعفة الإنتاجية وزيادة القدرة التنافسية العالمية.
إعادة صياغة السياسة التعليمية لربطها باحتياجات الصناعة والبحث العلمي، والارتقاء بمستوى التعليم الفني والتدريب الحرفي.
إعداد وتنفيذ السياسات التي تعمل على التوسع في إنشاء الصناعات ذات الميزة النسبية المحلية، وتحد من إنشاء الصناعات التي تفتقر إلى القدرة التنافسية، وتشجع التوسع في الصناعات الصغيرة والصناعات كثيفة العمالة، والصناعات اليدوية.
العمل على إعداد وتنفيذ السياسات التي تهدف إلى تعميق التصنيع وزيادة المكون المحلى في المنتج الصناعي، دون الإخلال بمعايير السلامة والجودة.
ربط خطة التنمية الصناعية بمخطط التنمية المتكاملة بشرياً وعمرانياً وقطاعياً، وذلك لتوفير المدخلات اللازمة لمشاريعها وتعظيم الاستفادة من مخرجاتها.
تبنى خطة قومية للطاقة في مصر، تهدف لتلبية احتياجات التنمية، وتعمل على إتباع سياسة متوازنة في توليد الطاقة بتنوع مصادرها من مصادر تقليدية،كالبترول والغاز الطبيعي أو مصادر بديلة كالرياح والطاقة الشمسية والطاقة النووية ( والتي تتبنى في مجالها الطاقة النووية الاندماجية التي تعتبر أوفر وقوداً، وأكثر أماناً، واقل تلوثاً، وأقرب ًإلى محاكاة الطبيعة)، وتهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في مصادر وقود المنشآت والمركبات باختلاف أنواعها.
التنقيب عن الثروات الطبيعية وحسن استغلالها والاستفادة من الجامعات المصرية كبيوت خبرة.
إعداد وتنفيذ السياسات التي تهدف إلى تحقيق المنفعة المتبادلة بين الدولة والشركات المحلية والعالمية في مجال استخراج وتصنيع الثروات البترولية والتعدينية والعمل على إجراء تشريعات تهدف إلى تعظيم الاستفادة من هذه الثروات والحد من إهدارها.
3- التنمية العمرانية والإسكان والمرافق:
بالرغم من أن هناك تشابكًا بين القطاعات الإنتاجية المختلفة المكونة للاقتصاد القومي، وبالرغم من ازدياد درجة التشابك بازدياد درجة تقدم الاقتصاد، إلا أن قطاع التشييد والبناء يعد قطاعًا مفصليًّا لكل القطاعات الأخرى، ازدهاره ينعكس بالإيجاب عليها، وركوده ينعكس بالسلب، ولا شك أن احتكار مستلزمات إنتاج هذا القطاع، وبالذات حديد التسليح والأسمنت والسيراميك، قد أدى إلى عجز هذا القطاع عن القيام باحتياجات القطاعات الأخرى لإنتاجه، وأدَّى إلى تشوهات واضحة في المعروض من الوحدات السكنية لصالح الإسكان الترفي، وعلى حساب الإسكان المتوسط والشعبي، فبينما يتوافر الملايين من الشقق الخالية تتفاقم في الوقت نفسه أزمة الإسكان المتوسط والشعبي وتتزايد ظاهرة الإسكان العشوائي وتتخذ صورًا إنسانية غير مقبولة من سكن العشوائيات وسكن الإيواء وسكن المقابر وسكن الشرك وسكن المساجد وسكن قبوات السلالم وسكن المخابئ وسكن البدرومات وسكن القوارب وسكن العشش، ويقدر أن أكثر من (85%) من إجمالي الأسر في مصر تعيش في سكن غير ملائم ونحو (25%) من إجمالي السكان، أي نحو (19) مليونًا، يعيشون في العشوائيات.
وتصحيح الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها هذا القطاع، ولإحداث تنمية عمرانية تتفق مع الاحتياجات الملحة للسكن الشعبي والمتوسط، يقدم البرنامج وسائل العلاج التالية:
تفعيل قانون تنظيم المنافسة ومنع الاحتكار، وجهاز حماية المستهلك لمواجهة الاحتكارات التي تمثل تشوهات في أداء الاقتصاد القومي في كثير من السلع الأساسية على رأسها الحديد والأسمنت والسيراميك.
وضع برنامج لتطوير العشوائيات بتقديم الخدمات والمرافق العامة لها من مياه وكهرباء ومدارس ووحدات صحية، وتقنين الملكيات، مع تفعيل دور المحليات حتى تقل الهجرة من الريف للمدينة للتخفيف من حدة مشكلة العشوائيات.
مشاركة القطاع الخاص في توفير المساكن المتوسطة والشعبية الملائمة، وتقوم الدولة بتوفير الأراضي بالمجان وتزويدها بالمرافق والخدمات الأساسية، مع دعم أسعار الوحدات السكنية من الموازنة العامة للدولة.
منح الأراضي الصحراوية لراغبي إقامة وحدات سكنية متوسطة وشعبية، أو للاستخدام الذاتي، بالمجان مع إمداد هذه الأراضي بالمرافق والخدمات الأساسية، وتشجيع المجتمع الأهلي على حجز هذه الأراضي والبناء عليها.
تركيز دور الدولة في الإسكان على بناء وحدات سكنية متوسطة وشعبية مع تقديم تسهيلات في دفع أثمانها على فترات طويلة نسبيًّا، مع تفعيل دور التمويل العقاري وتيسير شروطه وإجراءاته.
4- النقل والمواصلات
يُعدُّ هذا القطاع من القطاعات الخدمية شديدة الأهمية في تنمية القطاعات الأخرى للاقتصاد من ناحية، وفي توطين الوحدات الإنتاجية وتوفير مستلزمات الإنتاج لها من الداخل والخارج، وفي توصيل منتجاتها النهائية إلى الأسواق المحلية والدولية من ناحية أخرى، وفي تقديم خدمات النقل والمواصلات والاتصالات للمواطنين، وبالتالي في توزيع السكان والإسكان على الخريطة الاقتصادية للدولة من ناحية ثالثة.
ولا يزال هذا القطاع يعاني من ضعف شديد في مصر، في بعده الخارجي، حيث إن معظم تجارة مصر الخارجية والركاب من مصر وإليها تتم من خلال شركات أجنبية، كما يعاني من تشوهات واضحة على الصعيد الداخلي؛ حيث إنَّ معظم البضائع يتم نقلها برًّا بالسيارات رغم ارتفاع تكلفتها يليها السكك الحديدية، ثم النقل النهري منخفص التكاليف نسبيًّا، كما أن وسيلة السكك الحديدية والنقل البحري يحتاج إلى إعادة هيكلة وتحديث ومزيد من الرقابة والإشراف؛ حفاظًا على أرواح المواطنين وضمانًا لسلامة الركاب.
وهذا يتطلب وضع خطة رئيسة لتكامل هذه الوسائل الأربع للنقل: البري والنهري والبحري والجوي، وكذلك شبكة الاتصالات السلكية واللاسلكية: التليفونات والبرق والمحمول، وأيضًا النت لرفع كفاءة أداء هذا القطاع داخليًّا وخارجيًّا؛ وذلك على النحو التالي:
ضرورة قيام وزارة النقل بالدور الرئيسي في الإشراف الكامل على كافة أنشطة القطاع المختلفة ورسم السياسات اللازمة لقيام هذا القطاع بدوره المنوط به بكفاءة عالية بدلا من الوضع لحالي الذي تتعدد فيه الجهات المختلفة للإشراف على القطاع والتي منها وزارة الداخلية – وزارة السياحة – وزارة البيئة – المحليات.... الخ.
ضرورة تحفيز القطاع الخاص للمشاركة للقيام بدور هام في كافة أنشطة قطاع النقل وذلك لما يتمتع به من مرونة في الإدارة ولتخفيف العبء عن ميزانية الدولة، على أن يكون هذا في إطار تنظيمي يسهل للدولة الإشراف الكامل عليه ومع مراعاة أن يتناسب سعر الخدمة المقدمة مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية لكافة شرائح المجتمع ولا مانع من أن تقوم الدولة بتقديم الدعم المالي اللازم للقطاع الخاص نظير قيامه ببعض الخدمات إذا أثبتت الجدوى الاقتصادية ذلك.
تشجيع النقل الجماعي على حساب النقل الخاص كأحد السبل الرئيسية لحل مشكلة الازدحام داخل وبين المدن على أن تكون أولوية الاستثمار سواء من الحكومة أو القطاع الخاص في هذا المجال وفي هذا الصدد يأتي ضرورة الإسراع في إنشاء خطوط مترو الأنفاق في القاهرة الكبرى وفي المدن الكبرى التي تثبت الجدوى الاقتصادية ضرورة تواجد مثل هذه الخدمة بها.
ضرورة قيام قطاعي السكة الحديد والنقل النهري بدورهما المناسب في نقل البضائع لمعالجة التشوه الحالي في نصيب هاتين الوسيلتين من إجمالي البضائع المنقولة على مستوى الجمهورية والذي لا يتعدى 5% مما يتسبب في تحمل الاقتصاد الوطني خسائر كبيرة نتيجة لهذا التشوه نظرا لارتفاع تكاليف النقل على الطرق بالمقارنة بالنقل بالسكة الحديد والنقل النهري بالإضافة إلى الأثر السلبي على البيئة وارتفاع معدلات الحوادث على الطرق نتيجة ارتفاع المنقول بالبضائع على الطرق.
ضرورة الاهتمام بإجراءات السلامة والأمان لكافة وسائل النقل وعلى الطرق والسكة الحديد والنقل الجوي والبحري بهدف التقليل من الحوادث وخاصة النقل على الطرق والذي يشهد في الآونة الأخيرة تصاعد في معدلاتها مما نتج عنه العديد من القتلى والمصابين والتلفيات التي تكلف الدولة خسائر اقتصادية كبيرة سنويا.
العمل على خلق محاور نقل جديدة لخدمة التطورات العمرانية ولتخفيف حدة الازدحام في المدن الكبيرة ولتشجيع السكان على الخروج من نطاق الوادي الضيق لاستثمار موارد التنمية وخلق فرص عمل جديدة ولتعزيز الأمن القومي، على أن يتم ذلك من خلال مخطط نقل شامل على المستوى القومي يتم تحديثه على فترات، وضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحديد الأولويات وكذلك لوضع آليات التنفيذ المناسبة والواضحة لمشروعات النقل المختلفة.
العمل على زيادة حصة مصر في نقل وارداتها وصادراتها بالتدريج حتى يمكن الاستغناء عن استخدام سفن النقل الأجنبية بتشجيع القطاع الخاص على إنشاء شركات تعمل في النقل البحري، مع إنشاء موانئ جديدة وصيانة الموانئ القائمة.
العمل على دعم النقل الجوي وزيادة كفاءة أسطول الطائرات كمًا وكيفًا، وتشجيع ودعم القطاع الخاص على الدخول في قطاع الطيران للارتقاء بالخدمة وخفض تكلفتها.
5- الاتصالات والمعلومات والبرمجيات
يعتبر قطاع الاتصالات والمعلومات في مصر قطاعاً متميزاً مقارنة بالقطاعات التنموية الأخرى، والتي تعاني من مشكلات حيوية سواء على المستويين ؛ الإجمالي، أو التفصيلي:
وتتلخص رؤيتنا في مجال الاتصالات والمعلومات فيما يلي:
إطلاق حرية المنافسة بين شركات الاتصالات بصفة عامة، وشركات المحمول بصفة خاصة دون التقيد بعدد معين من الشركات.
إنشاء شركة عامة للهاتف المحمول مملوكة للدولة لخدمة رجال القوات المسلحة ورجال الشرطة ورجال القضاء وكبار رجال الدولة ومن يشاء من المواطنين وذلك للحفاظ على أسرار رجال الدولة.
وضع برنامج قومي متكامل لتوطين صناعة وتقنيات الاتصالات ابتداء من المكونات وانتهاء بتصميم وتصنيع وإطلاق أقمار الاتصالات.
التوسع في إنشاء وتطوير البنية الأساسية المعلوماتية وخاصة في مجال الشبكة الدولية للمعلومات، مع العمل على إنشاء شبكة معلومات داخلية على المستويين ؛ الوطني والقومي.
دعم صناعة البرمجيات في مصر بكافة الوسائل المادية والمعنوية لما تتمتع به هذه الصناعة من قيمة مضافة مرتفعة للغاية وتوافر الكوادر المتميزة بالإضافة إلى ما تقدمه هذه الصناعة من الدعم التقني لكافة القطاعات الأخرى
7- السياحة والطيران المدني
تتطلب إستراتيجية التنمية للاقتصاد المصري أن تحتل السياحة مكان الصدارة فمقومات السياحة في مصر من تراث حضاري فرعوني وقبطي وإسلامي ومناخ معتدل وطبيعة جميلة وشعب طيب مضياف لا نظير لها في العالم كله، والسياحة كصناعة ونشاط تصديري مصدر شديد الأهمية للعملات الأجنبية، ومكون أساسي من مكونات الدخل القومي وركيزة رئيسية لخلق فرص العمالة المنتجة لمئات الآلاف، بل الملايين من شبابنا وإذا وسعنا مفهوم الميزات النسبية لكي يشمل قطاعات الخدمات، فإن السياحة في مصر تكتسب أهمية قصوى، بل إنها تأخذ أسبقية على كافة القطاعات الأخرى، ففكرة الميزة النسبية ليست مجرد الكفاءة الإنتاجية الممكنة في القطاعات المختلفة، ولكنها الكفاءة الممكنة بالقياس إلى ما يمكن أن تحققه الدول الأخرى المتنافسة معنا، على هذا الأساس، فإن قدرة مصر على التفوق في قطاع السياحة تتجاوز بكثير قدرتها على التفوق في أي قطاع آخر بالمقارنة مع الدول الأخرى، وبالطبع، هذا التفوق ليس فقط مقومات وإنما هو أيضًا، بنية أساسية على مستوى رفيع، ومؤسسات خاصة وعامة على درجة عالية من الكفاءة وعقلية سياحية متفردة تستطيع أن تحول الإمكانات الهائلة إلى حقيقة واقعة.
وتتعدد الخدمات السياحية من سياحة دينية، إلى سياحة علمية، إلى سياحة مؤتمرات، إلى سياحة علاجية، ثم إلى سياحة التسوق، ثم سياحة ترفيهية، وهنا بالنسبة للنوع الأخير نقف مع مبادئ وقيم وأحكام الإسلام العظيم، حيث يتعين على السائح أن يعلم مسبقًا بحدود هذه الضوابط الإسلامية، فلا يجهر عند حضوره لخلافها، فكرًا أو أسلوبًا فإذا ما التزم بذلك، فله أن ينهل معرفة بتراثنا الحضاري ويستمتع بمناخ مصر وينعم بطبيعتها الجميلة ويسعد بالتعامل مع شعبها الطيب المضياف، وإذا كانت المملكة المتحدة بها في اسكتلندا مناطق جافة يحرم فيها شرب الخمور، وإذا كان الفاتيكان يفرض على الزائرة الاحتشام عند دخول كنيسته الرئيسة، فمصر كدولة إسلامية أولى بالتمسك بقيمها الإسلامية، خاصةً أنها لن تشكل قيدًا على أن يستمتع السائح لكل ما هو من مقومات السياحة.
وبالرغم مما قامت به وزارة السياحة من جهود جادة في سبيل تقديم تراثنا السياحي للعالم الخارجي ورفع مستوى الخدمات السياحية وتذليل بعض العقبات التي تعوق الانتعاش السياحي، فإن ما تحققه مصر من دخل سياحي ما زال شيئًا زهيدًا للغاية بالنسبة لإمكانيات مصر السياحية وبالنسبة لما تحققه بلاد الصف الأول السياحية مثل: إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، رغم أنهم لا يملكون شيئًا يذكر مقارنةً بتراث مصر الحضاري.
وهنا، تكمن المشكلة ويحدد البرنامج العناصر التالية لمعالجتها:-
وضع تخطيط لحماية المناطق السياحية في المدن المصرية القديمة، وعلى سواحل البحرين المتوسط والأحمر على أسس سياحية حديثة، ومنع النمو العشوائي للمباني حول هذه المناطق.
إقامة مستشفيات متخصصة على درجة عالية من الكفاءة والتوسع في إقامة المهرجانات وعقد المؤتمرات العلمية والثقافية والدولية، وتحويل مناطق مصر جميعًا إلى مناطق جذب سياحي، مع عدم التركيز على مدينتي القاهرة والإسكندرية.
تشجيع القطاع الخاص واستقطاب الاستثمارات الأجنبية لتعبئة مزيدٍ من الاستثمارات في قطاع السياحة مع تطوير القطاع المصرفي لكي يكون قادرًا على النهوض بدوره في تقديم التمويل اللازم للقطاع الخاص.
مضاعفة الطاقة الفندقية من خلال تطوير المقاصد السياحية الموجودة واستهداف مقاصد سياحية جديدة، مع تنويع الخدمات السياحية والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة.
توفير بنية أساسية متطورة من شبكة طرق ومياه وكهرباء ومواصلات سلكية ولاسلكية، ومطارات، داخلية وخارجية، مع معالجة مختلف المعوقات التي تؤثر على السائح.
تسويق المنتج السياحي على المستوى الدولي من خلال العمل على تنشيط السياحة المصرية في الأسواق الرئيسة المصدرة لها، ودراسة الأسواق المستهدفة، والعمل على فتح أسواق جديدة من خلال الدعاية الذكية ومضاعفة الإعلام السياحي بأسلوب موضوعي وعلمي.
العمل على توفير خدمة متميزة للسائح ابتداءً من استقباله مرورًا بتيسير الإجراءات الجمركية، فانتقاله إلى الفندق المناسب، فالخدمة الفندقية، فبرامج الزيارات للمناطق السياحية وحتى مغادرته مصر.
توجيه كافة الوزارات الخدمية المرتبطة بالسياحة مثل: وزارات الطيران والنقل والإعلام والثقافة والبيئة وغيرها من الوزارات والأجهزة المعنية بالنشاط السياحي في مصر بوضع هدف مساندة السياحة والترويج لها ضمن أهم أهداف خططها السنوية.
الفصل الثالث
السياسات المساندة
هي السياسات التي تستخدم كأدوات مساعدة في رسم وتنفيذ السياسة الإنمائية من خلال أسلوب التخطيط التأشيري، وتُسمَّى أيضًا بالسياسات التقليدية؛ لأنها كانت تطبق في الدول المتقدمة أساسًا قبل تطبيق السياسات الإنمائية في الدول المتخلفة والتي تحتاج إلى تغييرات هيكلية في جانب العرض الكلي من خلال هذه السياسات، والتي تُسمَّى بالسياسات الحديثة، وتشمل إذن السياسات المساندة أو التقليدية السياسة النقدية أو الائتمانية، والسياسة المالية والسياسة التجارية، وعليه يحدد البرنامج دور هذه السياسات، في المساعدة على تحقيق التنمية المتوازنة والمستدامة للاقتصاد المصري، كلاًّ على حدة، على الترتيب.
1- السياسة النقدية
بالرغم من أن السياسة النقدية (أو الائتمانية أو سياسة التحكم في العرض الكلي للنقود) سياسة غير مباشرة من حيث التأثير في قرارات المنتجين الاستثمارية، ومن ثم تعد ذات فعالية محدودة، خاصةً في الدول النامية، ومنها مصر، لتخلف أسواق النقد والمال فيها، إلا أنها تعد مؤشرًا مهمًّا لواقع الأداء الاقتصادي؛ وذلك من حيث معدلات التضخم، وسعر العملة الوطنية، ومعدلات الائتمان ومجالاتها، ومن هنا واستنادًا إلى مرجعية الاقتصاد الإسلامي، تشمل الخطوط العامة للبرنامج في هذا المجال ما يلي:
إحلال سعر الفائدة: تمثل أداة سعر الفائدة الأداة الرئيسة للتحكم في العرض الكلي للنقود، ومن ثم النشاط الاقتصادي من قِبل الجهاز المصرفي، ولكن اتساقًا مع الموقف الثابت من تحريم الربا يتم تفعيل مجموعة من الآليات والصيغ الأخرى القائمة على نظام المشاركة في الربح والخسارة بديلاً عن نظام المداينة بفائدة، والمستندة على العقود الشرعية: عقد الشركة، وعقود البيوع، وعقود الإجارة، وفق قواعد المصرفية الإسلامية وذلك للوصول لجوهر هذه المعاملات وليس تحقيقًا لإطارها الشكلي فقط، مع التدرج، في عملية التحول، للأخذ في الاعتبار، ومرحليًّا تعاملات مَن يرغب في التمويل وفق سعر الفائدة.
تقوية العملة الوطنية: وذلك بتحسين معدل النمو الاقتصادي من خلال السياسات الإنمائية وفق البرنامج بما يسمح بتخفيف الضغوط على الجنيه من جرَّاء التضخم السعري، المحلي أو المستورد، وبما يؤدي إلى استخدام أشمل وأكفأ للموارد المالية لدى الجهاز المصرفي، مع العمل على استهداف التضخم، بما يؤدي إلى تحقيق معدلات لا تُؤثِّر سلبًا على الودائع أو الاستثمارات أو مستوى معيشة المواطنين أو تدفع المدخرين نحو المضاربة في سوق الأوراق المالية (البورصة) أو في الأراضي والعقارات، أو نحو ممارسة أنشطة تندرج تحت مُسمَّى توظيف الأموال، والتي منعها المشرع المصري منذ عام 1988م مع تكوين سلة عملات لاحتياطات العملة الوطنية.
ويبقى العلاج الناجع لتقوية الجنيه، والتصدي للمشكلات الهيكلية، متمثلاً في توسيع القاعدة الإنتاجية أساسًا من خلال استخدام ودائع الجهاز المصرفي حسب القواعد المصرفية والائتمانية الرشيدة في تمويل مشروعات، وفقًا للأولويات الإنمائية المعتمدة، تحقق قيمة مضافة عالية، وتساعد في زيادة تشغيل العمالة، وتزيد من التصدير.
تحسين الجانب المؤسسي: مع التأكيد على ضرورة احتفاظ الدولة ببعض البنوك كملكية عامة، والعمل على تطوير الجهاز المصرفي ليتواكب مع التطورات المصرفية التي يشهدها العالم من خلال الحصول على تكنولوجيا متقدمة والقيام بتدريب مكثف للعاملين وإدخال نظم حديثة للإدارة، يتعين أن تعمل الدولة على الحفاظ على استقلالية البنك المركزي، ليكون الصانع الحقيقي للسياسة النقدية، دون ضغوطٍ محلية أو خارجية باعتبار أن القانون رقم (8) لسنة 2003 لم يحقق الاستقلال المرغوب والمطلوب.
2- السياسة المالية
تتضافر السياسة المالية، كسياسة اقتصادية مباشرة تعمل من خلال جانب موازنة الدولة- الإيرادات العامة والنفقات العامة- في التأثير في النشاط الاقتصادي لمعالجة المشكلات الهيكلية لتحقيق التنمية المتوازنة والمستدامة من ناحية، وعدالة توزيع الدخل والثروة من ناحية أخرى, وعليه، تتمثل الخطوط العامة للبرنامج في هذا المجال فيما يلي:
تحقيق العدالة الضريبية: وذلك عن طريق إلغاء الازدواج والتعدد الضريبي ومكافحة جادة لظاهرة التهرب الضريبي، مع ربط الإعفاءات للأعباء العائلية بمستويات الحاجات الأصلية للمعيشة ومراعاة معدلات التضخم السائدة والنظر في تخفيض معدلات الضرائب بصفةٍ عامة، كما يتعين العمل على التوسع في سياسات الإعفاءات الضريبية لبعض الأنشطة الاستثمارية، وربطها بعدد العاملين في المنشأة من ناحية، وبالأنشطة الاقتصادية ذات العلاقة بالضروريات والحاجيات لجمهور الناس من محدودي الدخل من ناحية أخرى، مع العمل على تطوير الجهاز الضريبي فنيًّا وإداريًّا، والعمل على تغيير الثقافة السائدة لدى الممولين ومأموري الضرائب من أجواء عدم الثقة.
العمل على تنمية الإيرادات العامة: استنادًا إلى تطوير الجهاز الضريبي وتحقيقًا لمبدأ العدالة الضريبية، يتعين العمل الجاد على تحصيل الضرائب المستحقة، ومكافحة الفساد الجمركي، وإعادة النظر في الإعفاءات الجمركية بما لا يؤدي إلى المساس بالاعتبارات الإنمائية والاجتماعية من ناحية، أو خلل بالموارد العامة من ناحية أخرى؛ وذلك لتعظيم موارد الدولة حتى لا تضطر إلى الاقتراض من صناديق التأمينات الاجتماعية والمعاشات (بفائدة منخفضة) مما يلقي عبء التمويل الحكومي على أقل طبقات المجتمع قدرةً على احتماله من ناحية، أو "الاقتراض" من الخارج مما يفاقم مشكلة المديونية الخارجية من ناحيةٍ أخرى أو "طبع" نقود جديدة مما يشعل الأسعار ويزيد التضخم السعري حدة من ناحية ثالثة، والمخرج المؤقت لزيادة الموارد، وحتى يتسنى معالجة مشكلة الدين العام جذريًّا من خلال برنامج زمني محدد، يتمثل في إصدار أذون وسندات الخزانة؛ لأنه تمويل من مدخرات حقيقي على أن تُستبدل في أسرع وقتٍ ممكن، بوسيلة تمويل إسلامية وهي: سندات المضاربة فهذه الأداة تقدم أسلوبًا شرعيًّا لاستثمار أموال صغار المدخرين، وتحميهم من المقامرة في البورصة أو الذهب أو الأراضي والعقارات، وتبعد الدولة عن الاقتراض بفائدة.
ترشيد الإنفاق الحكومي: ويتم ذلك من خلال التخصيص الكفء والإنفاق الكفء على مصارف الإنفاق المختلفة عن طريق تفعيل سيادة القانون ومكافحة حقيقية للفساد، وترشيد جاد للإنفاق الحكومي، خاصةً ما يتعلق منه بمظاهر الإسراف والبذخ، أو بتبديد الأصول والموارد العامة ونشر وتعميق ثقافة حرمة المال العام بين كل أفراد الشعب، مع إعادة هيكلة العمالة الحكومية وإعادة توزيع وتأهيل العمالة الزائدة بما يعظم الاستفادة من الإنفاق عليها ويربط أيضًا ومباشرة بعملية الترشيد تصحيح برامج الدعم المباشرة وغير المباشرة، بما يتماشى مع الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه.
سد عجز الموازنة العامة: أساسًا، وبالإضافة إلى سندات المضاربة الشرعية يتم سد العجز من خلال تفعيل دور مؤسستي الزكاة والوقف، على أن تشمل هاتان المؤسستان مجال العمل الخيري لدى الأخوة الأقباط، سواء من خلال الوقف أو ما يعرف بالعشور والبكور، وتكون مصارف إنفاق هذه الموارد على حاجات الفقراء، وفي مجالي الصحة والتعليم، ومن حيث عملية التنفيذ يقترح تقنين الزكاة، بجانب الضرائب مع تسوية مدفوعات الزكاة عند التحاسب الضريبي، بما يضمن تنظم العلاقة والتكامل بينهما؛ تجنبًا لازدواج الإلزام، ومن حيث آلية التنفيذ يتم إنشاء صندوق الزكاة في كل وحدة محلية لجمع الزكاة وإنفاقها حسب مصاريفها الشرعية؛ استنادًا لقاعدة بيانات يمكن من خلالها التوظيف السليم لهذه الموارد على أن يكون هناك نوع من التكامل بين الوحدات المحلية في حالات العجز أو الفائض، وتتطلب هذه الآلية إنشاء مصلحة للزكاة تتولى كافة الإجراءات المتعلقة بالزكاة على أن تكون هيئة أو مؤسسة غير حكومية مستقلة.
3- السياسة التجارية
بالسياسة التجارية تكتمل منظومة السياسات الداعمة للسياسة الإنمائية.
وتتضمن السياسة التجارية بطبيعتها مكونين الأول التجارة الداخلية، والثاني التجارة الخارجية.
التجارة الداخلية:
من خلال هذا المكون للسياسة التجارية، يتم في النهاية توصيل المنتجات الاقتصادية (سلع وخدمات) إلى مستخدميها من أفراد المجتمع مستهلكين ومنتجين، والتجارة الداخلية تتسم بطبيعة خاصة ومستويات مختلفة من حيث طبيعة النشاط والحجم، والتمويل وتنتظم في مساقات ثلاثة: التجزئة وشبه الجملة والجملة.
وتعاني هذه التجارة في مصر من العديد من المشكلات، لعل أبرزها الممارسات الاحتكارية لبعض المنتجين التجار لسلعٍ معينة وفي مواسم محددة؛ مما يضر بالمواطنين كمستهلكين، فضلاً عن ممارسات سلبية تتعلق بالحجم والتمويل في المستويات الثلاث، أو في نوع السلعة أو الخدمة المقدمة، وتتطلب معالجة هذه السلبيات بعض السياسات والإجراءات، وذلك على النحو التالي:
اعتماد القوانين المنظمة لشئون التجارة الداخلية، بما يحافظ على حقوق التجار والمستهلكين وتفعيل قانون حماية المنافسة ومكافحة الاحتكار.
قيام الأجهزة الرقابية الحكومية وغير الحكومية (مؤسسات المجتمع الأهلي) بدورها بشكلٍ فعَّال، بما يؤدي إلى إحداث التوازن في السوق، وأن يكون للأجهزة الحكومية صلاحية إلزام التجار بالبيع بسعر المثل في حالة التأكد بشكلٍ قاطعٍ من أنهم يمارسون الاحتكار.
ضرورة نشر ثقافة حماية المستهلك، وتوعية المواطنين بحقوقهم من خلال التعاون مع مؤسسات المجتمع الأهلي، واعتماد شروط للسلامة والصحة تتناسب مع الحفاظ على صحة المواطنين بشكلٍ تام مع تحقيق الحماية الفعالة لحقوق المستهلك ووضع العقوبات الرادعة على مخالفتها.
توفير مصادر التمويل للعاملين بهذا النشاط وفق آليات تسمح للمؤسسات المالية بالتعامل مع متوسطي وصغار التجار، بالعمل على إيجاد هذه الآليات الجديدة أو مؤسسات تمويل تمارس هذا النشاط.
القيام من خلال مجتمع الأعمال (جمعيات المستثمرين والغرف التجارية وجمعيات رجال الأعمال.. إلخ) بتوجيه الاستثمارات في هذا القطاع بحيث لا يحدث ما هو مشاهد بالفعل، وهو ظاهرة "استثمار القطيع"؛ وذلك استنادًا إلى دراسات عن الأسواق لاكتشاف طبيعة وحجم الفجوات الموجودة بكل تجارة، ومن ثم يكون عدد الداخلين في النشاط التجاري الواحد مناسبًا لاحتياجات السوق، مع الأخذ في الاعتبار أن قرار الدخول أو الخروج من السوق يكون اختياريًّا تمامًا ودور المؤسسات الخاصة بمجتمع الأعمال استرشاديًّا.
العمل على توفير الأسواق المتخصصة لكل مستوى من مستويات التجارة من خلال القطاع الخاص، بما يتناسب مع ظروف وإمكانيات كل قطاع تجاري، مع تدخل الدولة لتوفير وتهيئة البنية الأساسية لتشجيع ودعم وجود أسواق في المناطق الفقيرة.
التجارة الخارجية:
تمثل التجارة الخارجية بصفة رئيسة محصلة الجهد الإنتاجي والإنمائي للمجتمع.
و"صافي الصادرات" هو مكون أساسي من مكونات الاستثمار القومي، وهو: صافي الاستثمار الخارجي، والذي من خلاله يمول استيراد المكون الأجنبي للمشروعات الإنمائية الجديدة والسلع الوسيطة، والسلع الضرورية لسد العجز في المنتج منها محليًّا، وبالرغم من دخول مصر العديد من الاتفاقيات الثنائية والإقليمية والدولية لتشجيع التصدير، فما زالت الصادرات المصرية تراوح مكانها عند مستوى شديد التدني بالمقارنة بالواردات من ناحية، وبما أنجزته دول نامية أخرى من ناحية ثانية- مثل سنغافورة وهونج كونج وتايلاند والمكسيك وتركيا وكوريا الجنوبية وتايوان- كما أنها تعاني من درجة اعتماد رئيسة على المواد الخام التعدينية والزراعية.
ويرجع ذلك بالأساس إلى إستراتيجية التنمية في مصر كانت- وما زالت- إلى حد كبير- ذات توجه داخلي بحت؛ مما أدَّى إلى تخلف الاقتصاد المصري الشديد عن عدد كبير من الدول النامية في استغلال الفرص الممكنة والكبيرة، التي تتيحها السوق الدولية، وبالقطع ليس بالاتفاقيات وحدها تتم زيادة ملموسة في الصادرات وإنما بالتنمية الحقيقية التي تنتج منتجًا رفيع الجودة ورخيص السعر نسبيًّا، ويكفي لتوفير احتياجات المواطنين بما يحقق لهم الحياة الطيبة الكريمة، ويولد فائضًا مناسبًا يلبي رغبات وأذواق المستهلكين في بقية دول العالم.
وفي ضوء الاتفاقيات التي وقعت عليها مصر على الأصعدة الدولية والإقليمية والثنائية، يلاحظ أن خط الاتفاقيات الثنائية والإقليمية ضعيفًا بشكل عام، خاصةً ما يتعلق بالدوائر العربية والإسلامية والإفريقية والدول النامية بعامة أي دول الجنوب، بينما تسعى الحكومة المصرية جاهدةً لتفعيل اتفاقياتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، ولقد ترتب على هذا الوضع، بمعيار الفرصة البديلة، والمنافع الضائعة، عدد من الخسائر الجسيمة للاقتصاد الوطني.
ولتصويب هذا الوضع، وعلاج الاختلال القائم في ميزان التجارة الخارجية والاختلال المزمن في ميزان المدفوعات، والسياسة الإنمائية المقترحة يؤكد البرنامج على الأسس والتوجهات التالية:
إعطاء الأولوية للتعاون "العربي"، "فالإسلامي"، "فالإفريقي"، "فالجنوبي"، ثم الدولي؛ لأن هذه الأولوية ذات جدوى اقتصادية وإنمائية واضحة، وفي الوقت نفسه تُبقي على هوية مصر في إطارها الصحيح تجاه التزاماتها ومصالحها العربية والإسلامية والإفريقية والجنوبية والدولية.
اعتماد قاعدة الانفتاح على الأسواق الخارجية، مع تحديد واضح لضوابط تعظيم المصالح الاقتصادية، والتعامل مع بقية دول العالم في ظل العولمة واتفاقيات منظمة التجارة العالمية وفقًا لهذا المبدأ، مع الحرص على تقليل أو تفادي السلبيات.
التزام واضح بجميع الاتفاقيات التي وقعتها مصر، حفاظًا على مكانتها الدولية مع الحق في مراجعة بعض أو كل هذه الاتفاقيات وفقًا للقوانين الدولية المنظمة لهذا الشأن، بما يعظم مصالح مصر الاقتصادية.
النظر قبل الدخول في اتفاقيات جديدة إلى إمكانيات الاقتصاد المصري لتحديد مدى الاستفادة الحقيقية من هذا التعاون، وعدم إتمامه إذا كان يسمح بوجود احتكارات داخل الاقتصاد الوطني تؤدي إلى خلل في القاعدة الإنتاجية واستنزاف للموارد، مع ضرورة عدم تضييع فرص حقيقية على المجتمع بحجة الحماية إذا كانت هذه الحماية لكيانات ضعيفة لا تعمل إلا خلف الحماية، وغير قادرة أصلاً على المنافسة محليًّا أو خارجيًّا.
اعتماد آليات تعظيم حصة مصر التصديرية، وفقًا للرؤية الإنمائية لهذا البرنامج، من خلال المنتج الجدي والسعر التنافسي، والعمل على توفير كل العوامل المساعدة على تحقيق ذلك.
الموقف من مفاوضات مناطق التجارة الحرة مع الغرب
تحمل مبادرة منطقة التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي ما زالت في مرحلة التفاوض، ومشروعات الشراكة الأوروبية مع دول المنطقة العربية، مجموعة من الفرص كما تشمل على مجموعة من القيود والمخاطر والسلبيات السياسية والاقتصادية، فهذه المشروعات تهدف من بين ما تهدف إلى جذب الاقتصادات العربية فرادى بعيدًا عن مشروعات التكامل العربي باتجاه مشروعات بديلة، يتم من خلالها الترتيب لربط هذه الاقتصادات بحجة إدماجها في الاقتصاد العالمي، لإدماج الكيان الصهيوني في المنطقة مع إعطائه وضعًا أكثر تميزًا يسمح له بأن يكون المحور الرئيس لهذه المشروعات، والمثال الحي على ذلك هو الكويز.
وبصفة عامة تكرس الاتفاقيات التي تتم بين أطراف غير متكافئة في الغالب الأعم، وضع التبعية، وهذه التبعية هي العلاقة الحاكمة بين الاقتصاديات العربية، ومنها الاقتصاد المصري، واقتصاديات الدول الكبرى، خاصةً أن المطروح حتى الآن من خلال هذه الاتفاقيات، ومشروعاتها، لا يتسم بالمرة بالتوازن في توزيع المنافع بين أطراف العلاقة.
ضرورة التعاون العربي:
وعليه المخرج الرئيس من فخ الاستقطاب والإلحاق والتبعية الاقتصادية، والذي يتفق مع تحقيق تنمية اقتصادية متوازنة ومستدامة هو تفعيل دوائر التعاون الاقتصادي: العربي ثم الإسلامي فالإفريقي فالجنوبي، وتمثل الدوائر العربية في هذه السلسلة البداية الصحيحة، وعلى ذلك يتعين الإسراع بتنفيذ مشروع منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى كخطوةٍ أولى ثم تنتقل المجموعة العربية إلى خطوات التعاون الاقتصادي بوتيرةٍ أسرع من: الاتحاد الجمركي، فالسوق المشتركة فالاتحاد الاقتصادي، وأخيرًا الوحدة الاقتصادية؛ حيث يتم في هذه المرحلة: - إلغاء القيود الجمركية وغير الجمركية بين الدول الأعضاء، وتوحيد التعريفة الجمركية على التبادل التجاري مع بقية دول العالم، وحرية انتقال عناصر الإنتاج، وأخيرًا تجانس أو توحيد السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى إقامة سلطة عليا يكون لها حق اتخاذ قرارات ملزمة لكل الدول الأعضاء لتصبح حقيقةً كياناً اقتصاديًّا واحدًا.
وتعتبر "المشروعات المشتركة" و"الاندماجات" و"مثلثات النمو" و"تنسيق خطط التنمية القطرية" مداخل عملية ووسائل فعاَّلة للإسراع بإحداث التعاون الاقتصادي العربي، فالمشروعات المشتركة والاندماجات تزيدان من المصالح المشتركة، ومن مزايا الإنتاج والحجم الكبير، ومن القدرة على التنافس في السوق الدولية، وتنسيق خطط التنمية يزيد من التخصص وتقسيم العمل الكفء، ومن الاستخدام الأمثل للموارد ومن درجة التكامل والاندماج.
ومفهوم "مثلث النمو" يستند إلى حقيقة أنه حاصل مجموع عناصر الإنتاج للشركاء أكبر من مجموع أجزائها؛ حيث تشارك الدول المتكاملة في رأس المال والعمل والموارد الطبيعية اللازمة لدخول الأسواق الإقليمية والعالمية فيقدم بلد رأس المال والآخر المهارات المهنية والأيدي العاملة والثالث الموارد الطبيعية، وبتجميع هذه الموارد تتكون الشراكة التي تقوي الروابط بين الدول المتكاملة، وتأتي بالنمو والازدهار للشركاء كمجموعةٍ وتزيد من قدرتهم التنافسية في السوق العالمي من خلال "الميزة النسبية" من ناحية، وعن طريق استخدام الموارد والمهارات والمعرفة المتوافرة لهم لإنتاج منتجات جيدة مطلوبة في أسواقهم، وفي السوق الدولية من ناحية أخرى، ومن هنا يتم التعاون الاقتصادي العربي راسخًا على أسس موضوعية ومصلحية وليس على اعتبارات عاطفية.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق